Search Icon

مُداهمة غاليري سمعان: الرواية الكاملة لملفّ الأدوية

منذ ساعة

من الصحف

مُداهمة غاليري سمعان: الرواية الكاملة لملفّ الأدوية

الاحداث- كتبت ندى أيوب في صحيفة الاخبار:" منذ مُداهمة المباحث الجنائية مستودعاً للأدوية في منطقة غاليري سمعان، الجمعة الماضي، غرق لبنان في سيل من الشائعات بشأن ملف أدوية الـ Biosimilars التي تستوردها وزارة الصحة. وتعدّدت الروايات المغلوطة، من الحديث عن أدوية مُزوّرة وأخرى منتهية الصلاحية، إلى الادّعاء بضبط أدوية إيرانية، والتشكيك في مطابقة المستودع الذي تُحفظ فيه الأدوية للشروط المطلوبة، وصولاً إلى ربط الملف بنجل الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم... وهي روايات تقف خلفها مصالح «كارتيل» دوائي له ممثّلون داخل وزارة الصحة، استعان بوسائل إعلامية ونواب ووزراء تتقاطع مصالحهم معه.

وفتحت القضية أيضاً شهية إعلاميين وسياسيين وناشطين سارعوا إلى ترويج روايات من دون التحقّق من صحتها، ولو تسبّبت بذعر بين اللبنانيين، ما دام الملف يتصل بوزارة يرأسها وزير محسوب على حزب الله، وبشركة أدوية يقع مستودعها في الضاحية الجنوبية لبيروت.

ووفق المعلومات المتوافرة لـ«الأخبار»، فإن الثابت حتى الآن هو أن الأدوية المعنية دخلت لبنان بصورة رسمية، بعد حصولها على الموافقات اللازمة من وزارة الصحة، ولم يثبت أنها أدوية مُهرّبة أو مُزوّرة. كذلك، لا تتعلق القضية بأدوية إيرانية أو بأدوية مُخصّصة لعلاج السرطان.

ما صودر، دواءان هنديان هما Estukerel وInflixirel، يُستخدمان في علاج أمراض الروماتيزم، وقد دخلا لبنان بطريقة رسمية، إذ فازت الشركة المُستورِدة، Levant pulse، بمناقصة أجرتها وزارة الصحة عام 2025 لتوريد دواء Estukerel، ثم استوردت كميات إضافية منه عام 2026 بموجب اتفاق رضائي مع الوزارة، استدعتْه حالة الطوارئ خلال الحرب الإسرائيلية الأخيرة. وبلغ مجموع العبوات التي دخلت لبنان بموجب المُناقصة والاتفاق 1280 عبوة.

أمّا دواء Inflixirel، فقد طلبت الوزارة من الشركة نفسها تأمين 5000 عبوة منه خلال الحرب، بموجب اتفاق رضائي أيضاً.
وتؤكد المصادر أن المُداهمة لم تُظهِر وجود عبوات مفقودة، أو فروقات بين الكميات التي دخلت لبنان بناءً على طلب الوزارة، والكميات المصروفة للمرضى، وتلك التي صودرت من الدواءين.
تكمن الإشكالية في أن النتائج النهائية لتحاليل دواء Estukerel، التي أجراها مختبر مرجعي في فرنسا للتحقق من مُطابقته للدواء الأصلي (Brand) من حيث الفعّالية والجودة، وصلت إلى لبنان قبل أيام، لكنّ اللجنة الفنية في وزارة الصحة لم تدرسها بعد. أمّا دواء Inflixirel، فقد وصلت بعض نتائج تحاليله من المختبر الفرنسي، لا جميعها، ما يعني أن ملفه التحليلي لا يزال غير مُكتمِل.

مع ذلك، صُرف الدواءان لمرضى يتلقّون علاجهم على نفقة وزارة الصحة. إلا أن عدم اكتمال التحاليل أو تأخّر وصول نتائجها لا يعني بالضرورة أن الدواءين غير مُطابِقيْن للمواصفات المُعتمدة في لبنان، ولا يجيز ذلك لأحد، طبيباً كان أم صيدلانياً أم وزير صحة سابقاً تستعين به وسائل الإعلام، الجزم بأن المرضى تناولوا أدوية مُزوّرة. ذلك أن جميع الأدوية، قبل تسجيلها على لوائح الوزارة وإشراكها في المناقصات، تكون قد خضعت لدراسة اللجنة الفنية وحصلت على موافقتها. وهذا ما أُبلغ به مدّعي عام التمييز أحمد رامي الحاج من أحد أعضاء اللجنة الفنية السابقة في الوزارة، خلال الاستماع إلى أقواله في ملف تسجيل الدواءين الهنديين موضع الإشكال.

وللدقّة، فإن الموافقة على تسجيل الدواء، بعد صدور قرار اللجنة الفنية، تكون مشروطة بتقديم الشركة المُستورِدة تحاليل إضافية صادرة عن مختبرات مرجعية في دول مثل فرنسا وسويسرا وبلجيكا، قبل أن يتمكّن المستورد من دخول مناقصة الوزارة حول الدواء المعنيّ. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن إجراء هذا التحليل الإضافي في مختبر مرجعي ليس من المتطلّبات التي ينص عليها القانون اللبناني لتسجيل الدواء، بل بدأ اعتماده بقرار من وزير الصحة السابق محمد جواد خليفة، بهدف تعزيز ضمانات الجودة، واستمر الوزراء الذين تعاقبوا على الوزارة في العمل به. كذلك تجدر الإشارة إلى أن هذا التحليل يُجرى مرة واحدة عند تسجيل الدواء على لوائح الوزارة، ولا يُعاد بالضرورة مع كل شحنة لاحقة، حتى لو استمرّت الشركة في استيراد الدواء نفسه سنوات طويلة. وهذا يطرح سؤالاً عن مدى كفاية تحليل يثبت جودة الشحنة الأولى، من دون أن يضمن بالضرورة مطابقة الشحنات اللاحقة، علماً أن اختلافات قد تطرأ بين دفعة وأخرى. ولا يعني طرح هذه المسألة التقليل من أهمية التحليل الأول أو التشكيك في ضرورته، بل يسلّط الضوء على حدود الآلية المُعتمدة.

أين حصل الخلل؟

صباح يوم الجمعة، أحال وزير الصحة ركان ناصر الدين إلى الحاج ملف الدواءين الهنديين اللذيْن لم تكتمل تحاليلهما، وطلب شطبهما من لائحة الأدوية المُسجّلة في الوزارة. غير أن الإحالة، التي يُراد منها التأكيد أن الوزارة تعمل تحت سقف القانون، لم تتضمّن الادّعاء على شركة Levant pulse، أو تجميد نشاطها، أو سحب ترخيصها.

الأدوية دخلت لبنان بصورة رسمية ولم يثبت أنها أدوية مُهرّبة أو مُزوّرة... لكن ملفاتها غير مكتملة


في الأساس، كانت اللجنة الفنية قد درست ملف دواء Estukerel ووافقت على تسجيله، لكنّ المشاركة في المناقصة كانت تستوجب تقديم الشركة تحاليل الدواء. لذلك، منح ناصر الدين الشركة استثناءً يتيح لها المشاركة في مناقصة أُجريت في تموز 2025، مقابل تعهّدها بتقديم التحاليل خلال ستة أشهر. وقد دوّن ناصر الدين في أعلى قرار الاستثناء شرطاً واضحاً يقضي بعدم توزيع الدواء في السوق قبل وصول نتائج التحاليل.

فاز الدواء بالمُناقصة، ووصلت الشحنة إلى لبنان في شباط 2026، فيما لم تكن نتائج التحاليل قد وصلت بعد. ووفق المصادر، «وقّعت دائرة الاستيراد في الوزارة على فاتورة تسديد ثمن البضاعة، فدخلت الشحنة إلى لبنان مختومةً من المستورد بأنها مُخصّصة لوزارة الصحة، ثم نُقلت إلى مركز الكرنتينا للتحقّق منها.

وبعد استكمال الإجراءات، تسلّمتها الشركة مجدّداً وأودعتها في مستودعها، وفق الأصول المرعية الإجراء، إذ تُحفظ الأدوية أمانةً لدى المستورد الذي يتولى توزيعها». وتضيف المصادر أن الشركة بدأت تتلقّى طلبات لصرف الدواء من إحدى دوائر الوزارة، وباشرت توزيعه بناءً على تلك الطلبات، رغم أن التحاليل لم تكن قد وصلت بعد «لأسباب مرتبطة بالمختبر نفسه». وتضيف المصادر أنه «عندما أُثير الملف، وضعت الشركة في عهدة الوزارة المُراسلات المتبادلة بينها وبين المختبر، كما تواصلت الوزارة مع المختبر الذي شرح أسباب التأخير».

ويقرّ المعنيون في الشركة بأنهم «أساؤوا التقدير»، إذ لم يتمكّنوا من الوفاء بتعهّدهم بتقديم التحاليل ضمن المهلة المُحددة، وأقدموا على توزيع الدواء قبل اكتمالها، رغم علمهم بشرط ناصر الدين الذي يمنع ذلك. لكنهم يشيرون، في المقابل، إلى الطلبات التي تلقّوها من إحدى دوائر الوزارة لصرف الدواء، مؤكدين أن هذه المّراسلات عُرضت خلال التحقيق. ويوضح أحد المصادر أن الشركة تلقّت وعداً من المختبر بأن تصدر النتائج في منتصف كانون الثاني 2026، إلا أنها لم تكتمل فعلياً إلا قبل أيام، ولم تدرسها اللجنة الفنية في الوزارة حتى الآن، ما يعني أن الدواء وُزّع في لبنان من شباط حتى حزيران 2026، وحين علم ناصر الدين أن التحاليل لم تصل بعد، وأن الدواء يُوزّع على المرضى، قرّر وقف تسويقه.

خلال ذلك، في آذار 2026، نفدت من وزارة الصحة تركيبة دوائية تُستخدم لعلاج الروماتيزم. وبما أن دواء Inflixirel مُسجّل على لوائح الأدوية المُعتمدة لديها، طلبت الوزارة من شركة Levant pulse تأمين كميات تكفي ثلاثة أشهر، بموجب عقد رضائي.

في الأساس، لم تكن الشركة قد أشركت Inflixirel في المُناقصة، بسبب تأخّر صدور تحاليله، وأرجأت إدخاله فيها إلى عام 2026. وبعد دخوله السوق، راسلت الشركة المختبر الفرنسي نفسه، الذي لم يكن قد أنجز بعد تحاليل Estukerel. ومع بدء تلقّي طلبات صرف الدواء من الوزارة، باشرت الشركة توزيعه، قبل أن يجمّد ناصر الدين تسويقه في حزيران 2026 أيضاً، بعدما تبيّن له أن الملف غير مُكتمِل.
وثمّة دواء ثالث في الملف، هو Etanerel، استوردته الشركة عام 2024 بموجب استثناء من وزير الصحة السابق فراس الأبيض. وبلغت الكمية المُستوردة 720 علبة، بقيمة إجمالية قاربت 16 ألف دولار آنذاك. ولم تستورد الشركة الدواء مُجدّداً بعد ذلك، فيما يجري التحقيق في أسباب عدم وصول تحاليله حتى الآن.


أربعة أدوية هندية أكّد ناصر الدين سلامتها… والتحاليل السويسرية تُثبِت جودتها

قضية شركة Levant Pulse تشمل أيضاً أربعة أدوية هندية إضافية تُستخدم في علاج السرطان والروماتيزم، أثبتت التحاليل الصادرة عن مختبر مرجعي في سويسرا جودتها. كذلك، أكّد وزير الصحة ركان ناصر الدين سلامتها وفعاليتها خلال مؤتمر صحافي عقده في الوزارة قبل نحو أسبوعين، مشيراً إلى استيفائها الشروط المطلوبة.

هذه الأدوية هي: Adalirel، المُستخدم في علاج الروماتيزم، والذي دخل لبنان بموجب استثناء من وزير الصحة السابق فراس الأبيض، فيما التزمت الشركة بتقديم التحاليل المطلوبة له من سويسرا؛ وثلاثة أدوية لعلاج السرطان، هي Retuxirel وTrasturel وBevacerel، دخلت لبنان خلال تولّي الأبيض وزارة الصحة، وأثبتت التحاليل السويسرية جودتها

وعندما بدأت، أخيراً، حملة تشكيك في جودة هذه الأدوية من جانب ممثّلي «الكارتيل» الدوائي داخل الوزارة، فتح ناصر الدين تحقيقاً في الملف، وراسلت الوزارة المختبر السويسري الذي أكّد جودة الأدوية وفعّاليتها.
وفيما يروّج ممثّلو «الكارتيل» والمنتفعون منه أن التحاليل الصادرة عن المختبر السويسري غير كافية، تبرز مسألة أساسية: الملف موجود لدى الوزارة منذ نحو عامين، أي قبل تولّي ناصر الدين منصبه، ولم يطلب أيّ مسؤول فيها من الشركة المُستورِدة تقديم تحاليل إضافية، كما لم تُسجّل أي ملاحظات على التحاليل المُقدّمة. فلماذا يُثار التشكيك الآن؟ وهل المطلوب الخضوع لضغوط «الكارتيل» الذي يبتدع أسباباً مختلفة هدفها اتخاذ قرار بتجميد كل الأدوية البديلة المُخصّصة لعلاج السرطان والأمراض المُزمنة؟

لفهم خلفية هذا السجال، لا بدّ من النظر إلى أثر دخول الأدوية البديلة في كلفة العلاج، وما أحدثه من تغيير في حصص الشركات المُورِّدة للأدوية الأصلية. فدواء Trasturel هو بديل دواء Trastuzumab، الذي كانت الوزارة تشتري العلبة منه بنحو 700 دولار، بكلفة سنوية بلغت 4.2 ملايين دولار. أمّا Bevacerel، فهو بديل Bevacizumab، الذي كانت العلبة منه تُشترى بنحو 600 دولار، بكلفة سنوية وصلت إلى 3.6 ملايين دولار. في حين أن Retuxirel هو بديل Rituximab، الذي كانت الوزارة تشتري العلبة منه بنحو 500 دولار، بكلفة سنوية بلغت 3 ملايين دولار. وبحسب الأرقام الواردة في الملف، حقّقت الوزارة، خلال أعوام 2024 و2025 و2026، وفراً تجاوز 8 ملايين دولار بعد فوز هذه الأدوية في المناقصات.


حصّة Levant Pulse من المناقصات

لدى «كارتيل» الدواء في لبنان، والمستفيدين منه داخل وزارة الصحة وخارجها، هدف أساسي يتمثّل في تجميد مناقصة عام 2026، التي أُجريت في آب الماضي، والدفع نحو وقف العمل بملفات الأدوية المُماثِلة إلى أجل غير مُسمّى، تحت عنوانَي إعادة الدرس والتحليل، ووضع معايير جديدة لآلية التسجيل. وهي عملية قد تستغرق سنوات في لبنان، فيما يُرجّح أن يسعى «الكارتيل»، عبر نوابه وأدواته، إلى فرض معايير لا تسمح باستيراد سوى أدوية أميركية وأوروبية يتولى هو استيرادها، بما يحول دون دخول أدوية مماثلة إلى السوق. وهي أفكار بدأ التلميح إليها في وسائل الإعلام قبل أسابيع.
وتحقيق هذه الأهداف يتطلّب استمرار حملة التحريض الدائرة، التي تتعمّد ربط شركة Levant Pulse سياسياً بحزب الله، وبدرجة أقل بحركة أمل، مع الدفع باتجاه ترويج عبارات من قبيل «الشركة المحظيّة»، لإحراج وزير الصحة ركان ناصر الدين، ونزع الشرعية عن شركة أدخلت المنافسة إلى سوق الدواء. كما أن ربط الشركة بحزب الله قد ينعكس سلباً على علاقاتها بالدول التي تستورد منها الأدوية والجهات التي تتعامل معها.
لكنّ الأرقام لا تنسجم مع الصورة التي تحاول الحملة تكريسها عن حجم الحظوة التي تتمتع بها الشركة. ففي عام 2024، بلغت قيمة الأدوية التي حصلت عليها Levant Pulse نحو 1.67 مليون دولار، أي ما يعادل 3% من إجمالي قيمة المناقصة. وفي عام 2025، فازت بعقود لتوريد أدوية بقيمة 3.5 ملايين دولار، شكّلت نحو 5% من قيمة المُناقصة. وفي عام 2026، أبرمت الوزارة، حتى الآن، اتفاقيات شراء أدوية مُعلنة على موقعها بقيمة 72 مليون دولار، 53 منها عقود رضائية، كانت حصة الشركة منها 8 ملايين دولار، أي ما نسبته نحو 11%.
وتجدر الإشارة إلى أن الأدوية التي فازت بها الشركة في مناقصة عام 2026 تشمل Retuxirel وBevacerel وTrasturel. وملفات هذه الأدوية مُكتمِلة، وقد أظهرت التحاليل استيفاءها متطلّبات الجودة. وهي أدوية تناولها وزير الصحة نفسه في مؤتمره الصحافي الأخير.


لا علاقة لحزب الله وقاسم

عمل نجل الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، محمد، مستشاراً مالياً لدى شركة PMD لتوزيع الأدوية، خلال عامي 2017 و2018 فقط. ولا تربط هذه الشركة أيّ علاقة بشركة Levant Pulse. وقد جرى استغلال ملكية PMD العائدة إلى نقيب الصيادلة السابق غسان الأمين، والد أحد مالكي Levant Pulse، للإيحاء بأن ملكية الشركة الأخيرة تعود إلى قاسم.


توسّع مُنتظر في التحقيقات

استمرت التحقيقات حتى الثالثة فجراً مع أربعة موظفين من شركة Levant Pulse، تولّاها مدير المباحث الجنائية، بحضور القاضي الحاج وإشرافه. وفي اليوم التالي، استُكملت التحقيقات مع خمسة موظفين آخرين، بعدما كان المحقّق قد استمع سابقاً إلى رئيستين سابقتين لدائرة الاستيراد في وزارة الصحة. ويُنتظر أن تشمل التحقيقات الاستماع إلى ثلاثة مديرين عامّين. وحتى الآن، تُرك جميع الموظفين الذين خضعوا للاستجواب رهن التحقيق.