الاحداث- كتبت لور سليمان
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد مفهوم علمي أو تكنولوجيا متطورة تقتصر على المختبرات والشركات الكبرى، بل أصبح جزءاً متنامياً من الحياة اليومية لملايين البشر حول العالم، يرافقهم في العمل والتعليم والبحث والإعلام والطب، ويسهم في تغيير طريقة تفكيرهم وتواصلهم وإنجازهم للمهام. ومع التسارع الكبير في تطوّره وانتشاره، لم يعد السؤال الأساسي هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيدخل حياتنا، بل كيف يمكن توظيفه لخدمة الإنسان، وتعزيز قدراته، وتحسين نوعية حياته، من دون المساس بكرامته وحريته ومسؤوليته.
وتكشف الأرقام الدولية حجم هذا التحوّل. فبحسب تقرير «Global AI Diffusion» الصادر عن معهد اقتصاد الذكاء الاصطناعي التابع لشركة «مايكروسوفت» في أيلول 2026، ارتفعت نسبة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي عالمياً إلى 18.8% خلال الربع الثاني من العام، مقارنة بـ17.8% في الربع الأول و16.3% خلال النصف الثاني من عام 2025. أي إن ما يقارب شخصاً واحداً من كل خمسة أشخاص في سن العمل بات يستخدم هذه الأدوات، في مؤشر واضح إلى انتقال الذكاء الاصطناعي من دائرة الاستخدام المتخصص إلى فضاء الحياة اليومية.
من التعليم إلى الطب والإعلام… إمكانات تعيد رسم الحياة
تكمن أهمية الذكاء الاصطناعي في قدرته على معالجة كميات ضخمة من المعلومات بسرعة، وتحليل البيانات، وتبسيط المهام المعقدة، وتقديم المساعدة في اتخاذ القرارات. ففي التعليم، يمكنه دعم الطلاب في فهم المواد الدراسية، ومساعدة المعلمين في إعداد الدروس، وتوفير أساليب تعلّم تراعي الفروق الفردية. لكنه يفرض، في الوقت نفسه، ضرورة تطوير المناهج وطرق التقييم، حتى لا يتحوّل إلى بديل عن التفكير والتحليل والبحث المستقل.
وفي المجال الطبي، يتيح الذكاء الاصطناعي فرصاً متقدمة لتحليل الصور والفحوص، ودعم اكتشاف بعض الأمراض، ومساعدة الباحثين في تطوير العلاجات، وتحسين إدارة المؤسسات الصحية. إلا أن الاستفادة من هذه الإمكانات تبقى مرتبطة بدقة البيانات، والرقابة البشرية، وحماية خصوصية المرضى، وعدم تحويل الأنظمة الذكية إلى بديل عن الحكم الطبي المسؤول والعلاقة الإنسانية بين الطبيب والمريض.
أما في الإعلام، فيسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع جمع المعلومات وتنظيمها، وتفريغ التسجيلات وترجمتها، وتحليل البيانات وإنتاج المحتوى. غير أن هذه الإمكانات تضع المؤسسات الإعلامية أمام مسؤولية مضاعفة في التحقق من الأخبار، ومكافحة التضليل والتزييف العميق، وحماية حقوق الملكية الفكرية، والإبقاء على الصحافي مسؤولاً عن دقة ما ينشره ومصداقيته.
ويمتد تأثير هذه التكنولوجيا إلى الاقتصاد والصناعة والزراعة والخدمات العامة، حيث يمكنها تحسين الإنتاجية، وتقليل الهدر، وتطوير الخدمات، وتوفير الوقت والموارد. لكن هذا التحوّل قد يغيّر طبيعة عدد من الوظائف، ويزيد الحاجة إلى اكتساب مهارات جديدة، ما يجعل الاستثمار في التعليم والتدريب وإعادة التأهيل المهني ضرورة لمواكبة المستقبل، وضمان ألا تتحوّل الثورة التكنولوجية إلى مصدر جديد للتفاوت الاجتماعي.
لبنان أمام مفارقة الانتشار والجاهزية
في لبنان، تعكس الأرقام مفارقة تستحق التوقف عندها: انتشار متزايد لاستخدام الذكاء الاصطناعي بين الأفراد، في مقابل تحديات لا تزال تواجه المؤسسات الرسمية في الاستعداد لهذه التكنولوجيا وتوظيفها.
فوفق بيانات «مايكروسوفت» الواردة في المعلومات المنشورة، ارتفعت نسبة استخدام الذكاء الاصطناعي بين السكان في سن العمل من 24.8% خلال النصف الأول من عام 2025 إلى 25.7% في النصف الثاني منه، ثم إلى 27.3% في الربع الأول من عام 2026. وتفوق هذه النسبة المتوسط العالمي المسجّل في الربع الأول من العام نفسه، والبالغ 17.8%.
لكن انتشار الاستخدام الفردي لا يعني بالضرورة أن الدولة تمتلك البنية التحتية والسياسات والقدرات المؤسسية اللازمة للاستفادة من هذه التكنولوجيا على نطاق واسع.
فبحسب مؤشر «جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025»، الصادر عن مؤسسة «Oxford Insights»، حلّ لبنان في المرتبة 113 عالمياً من أصل 195 حكومة، مسجلاً 34.38 نقطة من أصل 100. وفي محور اعتماد الذكاء الاصطناعي داخل القطاع العام، لم تتجاوز نتيجته 18.65 نقطة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن التحدي اللبناني لا يقتصر على إتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي للأفراد، بل يشمل بناء استراتيجية وطنية واضحة، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتأهيل الموظفين، وتعزيز الأمن السيبراني وحماية البيانات، وإدماج التكنولوجيا في الخدمات العامة ضمن ضوابط قانونية وأخلاقية واضحة.
وقد يتيح الاستخدام المدروس للذكاء الاصطناعي فرصاً لتحسين الخدمات الإدارية، وتسريع إنجاز المعاملات، وتطوير إدارة الموارد، وتعزيز الشفافية والمساءلة. لكن تحقيق ذلك يتطلب إرادة مؤسسية واستثماراً مستداماً، إلى جانب ضمان عدم إقصاء الفئات التي تفتقر إلى المهارات الرقمية أو إلى الوصول الكافي إلى التكنولوجيا.
البابا لاون الرابع عشر: التكنولوجيا في خدمة الإنسان لا العكس
وسط هذا التحوّل العالمي، تكتسب رؤية الكنيسة أهمية خاصة، ولا سيما في ضوء مواقف قداسة البابا لاون الرابع عشر، الذي تناول الذكاء الاصطناعي من زاوية تجمع بين إمكاناته العلمية وأسئلته الأخلاقية والإنسانية.
وفي رسالته إلى المشاركين في المؤتمر الثاني حول الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات والحوكمة المؤسسية، في حزيران 2025، شدّد البابا على ضرورة التفكير الجدي في البعد الأخلاقي لهذه التكنولوجيا وفي سبل إدارتها بمسؤولية. ولفت إلى أن الوصول السريع إلى كميات هائلة من المعلومات لا ينبغي أن يُخلط بالحكمة الحقيقية، لأن امتلاك البيانات لا يعادل القدرة على إدراك معنى الحياة والتمييز بين الحقيقة والخير.
وتتعمق هذه الرؤية في رسالته لمناسبة اليوم العالمي الستين للاتصالات الاجتماعية عام 2026، حيث برزت أهمية صون كرامة الإنسان وهويته وعلاقاته في عصر تتزايد فيه قدرة التكنولوجيا على محاكاة الصوت والصورة والتواصل البشري. فالذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من التطور، لا ينبغي أن ينتقص من قيمة اللقاء الإنساني الحقيقي، أو أن يحلّ محل العلاقات القائمة على الحضور والتعاطف والمسؤولية.
وفي رسالته لمناسبة قمة «الذكاء الاصطناعي من أجل الخير» في جنيف، في تموز 2026، عاد البابا إلى التأكيد على ضرورة الحوار بين العلماء والمهندسين وصنّاع القرار والمربين، من أجل توجيه الابتكار نحو الخير العام وتعزيز حياة كريمة للجميع. كما حذّر من إساءة استخدام الخوارزميات ومن مخاطر تراجع قدرة الإنسان على التأثير في القرارات التي تمسّ حياته.
وتتلاقى هذه المواقف مع الرسالة العامة «Magnifica Humanitas»، التي أصدرها البابا لاون الرابع عشر في أيار 2026، والمخصّصة لصون الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي. وتؤكد الرسالة ضرورة بقاء الشخص البشري في قلب التقدم التكنولوجي، وأن تظل القدرات البشرية، بما تتضمنه من وعي وحرية وضمير ومسؤولية، هي التي توجه الابتكار وتحدد حدوده. كما تدعو إلى عدم اختزال الإنسان في إنتاجيته أو قدرته المعرفية أو البيانات التي يمكن جمعها عنه.
ومن هنا، فإن موقف البابا لا يقوم على رفض الذكاء الاصطناعي أو الخوف من التطور العلمي، بل على التمييز بين التكنولوجيا بوصفها أداة يمكن أن تخدم الخير، وبين استخدامها بطريقة تجعل الإنسان تابعاً لها أو تحوّلها إلى وسيلة للهيمنة والإقصاء والتلاعب. فالتقدم الحقيقي لا يُقاس بقدرة الآلات على إنجاز المزيد فحسب، بل بمدى إسهامه في حماية الكرامة الإنسانية، وتوسيع فرص المشاركة، وتعزيز العدالة والتضامن.
بين الفرصة والمخاطر… من يوجّه من؟
على الرغم من الفوائد الواسعة للذكاء الاصطناعي، فإن استخدامه يطرح تحديات لا يمكن تجاهلها. فالمعلومات غير الدقيقة، والأخبار المضللة، والتلاعب بالصور والأصوات، وانتهاك الخصوصية، والتحيّز في الخوارزميات، كلها مخاطر قد تؤثر في الأفراد والمجتمعات. كما أن الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية قد يضعف مهارات التفكير النقدي والاستقلالية، إذا تحوّلت هذه الأدوات من وسائل للمساعدة إلى بدائل عن الجهد البشري.
وهنا تبرز أهمية التربية الرقمية، التي لا تقتصر على تعليم الإنسان كيفية استخدام التكنولوجيا، بل تشمل أيضاً فهم حدودها، والتحقق من نتائجها، والتمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، وإدراك أن المسؤولية النهائية عن القرارات لا يجوز أن تُلقى على الآلة.
ومن هذا المنطلق، تكتسب دعوة البابا لاون الرابع عشر إلى توجيه الذكاء الاصطناعي نحو الخير العام معناها العملي. فالمطلوب ليس إبطاء التقدم أو إغلاق الأبواب أمام الابتكار، بل وضع قواعد تضمن الشفافية والمساءلة، وتحمي الفئات الأكثر ضعفاً، وتصون كرامة العاملين، وتمنع احتكار المعرفة والقدرات التكنولوجية في أيدي قلة من الدول أو الشركات.
كما أن تحقيق العدالة الرقمية يقتضي ألا تبقى فوائد الذكاء الاصطناعي حكراً على المجتمعات الأكثر ثراءً وتقدماً، فيما تتأخر المجتمعات الأخرى بسبب ضعف البنية التحتية أو نقص التمويل والمهارات. فالاستفادة من هذه التكنولوجيا ينبغي أن تكون فرصة لتقليص الفجوات، لا لتوسيعها.
الإنسان أولاً… معيار التقدم الحقيقي
إن الذكاء الاصطناعي يمثل إحدى أبرز التحولات التكنولوجية في عصرنا، بما يحمله من إمكانات لتطوير الطب والتعليم والإعلام والاقتصاد والخدمات العامة. غير أن قيمته الحقيقية لا تتحدد بمدى سرعته أو قدرته على إنتاج المعلومات، بل بما يقدمه للإنسان من فرص لتحسين حياته، وتوسيع معارفه، وتخفيف معاناته، وتعزيز قدرته على الإبداع والعمل والمشاركة في المجتمع.
وفي لبنان، كما في سائر دول العالم، يتطلب الانتقال من الاستخدام الفردي إلى الاستفادة الوطنية من الذكاء الاصطناعي رؤية متكاملة تجمع بين تطوير المهارات، وتحديث المؤسسات، والاستثمار في البنية التحتية، ووضع الأطر القانونية والأخلاقية اللازمة.
أما الرسالة الأساسية التي تبرز في مواقف قداسة البابا لاون الرابع عشر، فهي أن التكنولوجيا يجب أن تبقى في خدمة الإنسان، لا أن يتحوّل الإنسان إلى أداة في خدمتها. فالآلة تستطيع أن تعالج البيانات بسرعة تفوق قدرات البشر، وأن تساعدهم في اكتشاف الحلول، لكنها لا تستطيع أن تحلّ محل الضمير الإنساني، أو المحبة، أو التضامن، أو المسؤولية الأخلاقية التي تمنح أفعالنا معناها.
إن مستقبل الذكاء الاصطناعي لن يتحدد بما تستطيع الآلات فعله وحده، بل أيضاً بالقيم التي يختار البشر أن يوجّهوها بها. وبين الانبهار بالتطور والخوف من مخاطره، تبقى الحاجة إلى موقف متوازن يفتح الباب أمام الابتكار، من دون التفريط بالكرامة الإنسانية.
وهذا هو التحدي الحقيقي أمام العالم اليوم: أن يجعل الذكاء الاصطناعي وسيلة لبناء مجتمع أكثر معرفة وعدالة وإنسانية، لا مجرد أداة لزيادة السرعة والإنتاجية. فالتقدم الذي يستحق اسمه هو ذلك الذي يجعل حياة الإنسان أفضل، ويحفظ حريته وكرامته، ويضع العلم في خدمة الخير العام ومستقبل البشرية.