الاحداث- كتبت صحيفة "الجمهورية": على وقع تتبّع التطورات الإقليمية المتصلة بالحشد العسكري والديبلوماسي الأميركي ضدّ ايران، وفي ظل عدم الإلتزام الإسرائيلي المتمادي باتفاق وقف النار ومواصلة الاعتداءات التي أوقعت شهداء جدداً أمس جنوباً، وفيما ينشغل لبنان بإحباط محاولات اسرائيل لإنهاء لجنة «الميكانيزم»، بدأ مجلس النواب مناقشة موازنة 2026 بصفتها استحقاقاً دستورياً لا مشروع إنقاذ. أرقام بلا رؤية، خطاب اجتماعي بلا تمويل، وسجالات سياسية تخطّت الشأن المالي إلى الاصطفافات الإقليمية، فيما بقي السؤال الجوهري معلّقاً: أي دولة تُدار بهذه الموازنة؟
على وقع الانتخابات النيابية المقبلة والانقسام السياسي العميق، دخل مجلس النواب اللبناني في نقاش الموازنة، في لحظة سياسية شديدة الحساسية، تتجاوز الأرقام والجداول المالية إلى ما هو أعمق: نزاع على السرديات، ومحاولة إعادة تموضع انتخابي قبل استحقاق أيار المقبل الانتخابي، فيما يخيّم في الخلفية نزاع سياسي مفتوح حول حصرية السلاح ودور الدولة في ظل الانقسام الحاد مع «حزب الله».
موازنة بلا رؤية... ونقاش فوق الرماد
وبدا واضحاً من جلستي الأمس، أنّ مشروع الموازنة لا يُقارب كخطة إنقاذ اقتصادي بمقدار ما يُتعاطى معه كأمر واقع تفرضه الضرورات الدستورية. فقد تكرّرت في المداخلات النيابية إشارات إلى غياب الرؤية الإصلاحية المتكاملة، وعدم معالجة الخلل البنيوي في المالية العامة، وخصوصاً في ما يتصل بملف الكهرباء، ضبط الإنفاق، وغياب قطع الحساب.
وقد عبّر عدد من النواب في مداخلاتهم، عن أنّ الموازنة «لا تعكس خروجاً فعلياً من منطق الترقيع»، مشيرين إلى أنّها تفتقر إلى أي مقاربة جدّية لاستعادة الثقة أو تحفيز النمو، فيما اكتفى نواب آخرون بالتذكير بأنّ تحميل المواطنين مزيداً من الرسوم والضرائب «لم يعد مقبولاً في ظل» انهيار القدرة الشرائية».
لكن ما ميّز جلستي الأمس لم يكن فقط النقد التقني، بل الطابع الشعبوي الواضح لعدد من المداخلات. فمع اقتراب الانتخابات النيابية، تحوّلت الموازنة منصّة خطابية بامتياز. إذ انقلبت المناقشة إلى ساحة اشتباك سياسي تلمؤها شعبوية انتخابية، وسجال حول موقف «حزب الله» المتضامن مع إيران في مواجهة الحملة الأميركية ـ الإسرائيلية عليها، وسط أسئلة مؤجَّلة عن الدولة والقرار والسيادة.
وبعد جلستين من المناقشة عُقدتا أمس، رفع رئيس مجلس النواب نبيه بري الجلسة النيابية المسائية إلى الحادية عشرة اليوم، على ان تليهما جلسة أخرى مساء.
التحدّي الأخطر
في غضون ذلك، وفي معلومات لـ«الجمهورية»، انّ التحدّي الأخطر الذي يترقّب لبنان مواجهته في الأيام القليلة المقبلة، هو تحدّي استمرار عمل لجنة «الميكانيزم»، في ضوء ما يسجّله لبنان الرسمي من خطط إسرائيلية لإعدام هذه اللجنة، بما تشكّله من ضمانات الحدّ الأدنى لمشاركة لبنان وفرنسا والأمم المتحدة. فالاتجاه الذي أظهرته تل أبيب أخيراً هو إنهاء عمل هذه اللجنة واستيلاد أطر جديدة عسكرية وسياسية، يكون فيها لبنان وإسرائيل وجهاً لوجه، وبمشاركة أميركية فقط.
وهذا الأمر، دفع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أمس، إلى حال استنفار لمعالجة الملف سريعاً، خصوصاً مع اقتراب موعد الزيارة المقرّرة لقائد الجيش إلى العاصمة الأميركيّة. وبتكليفٍ منه، التقى مستشاره الأمني والعسكري العميد الرّكن المتقاعد أنطوان منصور، مساعد رئيس «الميكانيزم» العقيد ديفيد ليون كلينغنسميث، في حضور ملحق الدفاع في السفارة الأميركية في بيروت العقيد جاسون بلكناب. وتركّز البحث على «تطوّر عمل اللجنة والتعاون» مع الجانب اللبناني، في إطار تطبيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها، وتثبيت أهمية دورها في الاستقرار والأمن. كما تمّ تأكيد الأهمية التي يوليها الرئيس عون لعمل اللجنة لتثبيت الاستقرار والأمن في البلاد. فلبنان يريد إنقاذ «الميكانيزم» من الانهيار، لتبقى له القدرة على المشاركة في المخارج والخيارات، لأنّ البدائل المطروحة خطرة.
زيارة هيكل لواشنطن
في هذه الأثناء، لوحظت أمس مواكبة أميركية مبكرة لزيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل لواشنطن. فقبيل هذه الزيارة التي تبدأ الاثنين المقبل، ويستبقها توجّه وفد من الضباط إلى العاصمة الأميركية خلال اليومين المقبلين تحضيراً، ولمتابعة اعمال لجنة «الميكانيزم»، استقبل العماد هيكل في مكتبه في اليرزة أمس قائد قوة المهمّات المشتركة للعمليات الخاصة في القيادة المركزية الأميركية Brig. Gen. Mason R Dula مع وفد مرافق، وتناول البحث سبل التعاون بين الجيشَين اللبناني والأميركي، والتطورات في لبنان، إضافة إلى الأوضاع العامة في المنطقة. ثم استقبل المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جانين هنس بلاسخارت، وتناول البحث الأوضاع في البلاد، والتحضيرات لمؤتمر دعم الجيش المقرر عقده في 5 آذار المقبل في باريس.
وزارت بلاسخارت الرئيس عون، وأكّدت له مواصلة العمل لتثبيت الاستقرار والأمان في الجنوب.
في الموازاة، أشار وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي، إلى «أنّ ثمة تركيبة جديدة يتمّ الإعداد لها في المنطقة. وقال: «لدينا شروط مقابل السلام». وأكّد «ضرورة وقف إعادة تسليح وتمويل «حزب الله»، معتبرًا أنّ على «حزب الله» تسليم سلاحه طواعية». وأكّد «أنّ حركة «حماس» انتهت عملياً، ونحن نضيّع الوقت فقط»، مشدّدًا على «أنّ الحل بعودة «حزب الله» إلى دولة القانون».
البنك الدولي
من جهة ثانية، أعلن البنك الدولي في بيان، أنّ «مجلس المدراء التنفيذيين للبنك الدولي وافق أمس، على تمويل جديد بقيمة 350 مليون دولار لمساعدة لبنان على تلبية الاحتياجات الأساسية للفئات الفقيرة والأكثر احتياجاً خلال مرحلة التعافي الاقتصادي والمالي، وتحسين تقديم الخدمات العامة عالية الأثر، من خلال التحول الرقمي للقطاع العام. ويغطي هذا التمويل مشروعين جديدين يهدفان إلى إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين، من خلال توفير الحماية الاجتماعية للفئات الفقيرة، وتعزيز الإدماج الاقتصادي للنساء والشباب والفئات الأكثر احتياجاً، وتعزيز أنظمة الحماية الاجتماعية، وتسريع وتيرة رقمنة الخدمات العامة الرئيسية.
وقال المدير الإقليمي لدائرة الشرق الأوسط في البنك الدولي جان كريستوف كاريه: «يشهد لبنان تعافياً هشاً. تهدف حزمة التمويل الجديدة من البنك الدولي إلى تحقيق فوائد واسعة النطاق وذات أثر كبير على صعيد المجتمع، من خلال تعزيز الحماية الاجتماعية والشمول الاقتصادي والتحول الرقمي». وأضاف: «ستُسهم هذه الجهود في تعزيز التعافي الاقتصادي، وخلق فرص العمل، وتعزيز قدرة لبنان على تقديم خدمات عامة عالية الأثر لكافة المواطنين».
وأوضح البيان، انّ المشروع الأول يهدف، (وهو مشروع تعزيز شبكات الأمان الاجتماعي وبناء الأنظمة: 200 مليون دولار) إلى مواصلة تعزيز نظام الحماية الاجتماعية في لبنان، مع توفير الموارد المكمَّلة للتمويل الحكومي المخصص للتحويلات النقدية. وسيعتمد المشروع نهجاً متكاملاً يجمع بين تقديم تحويلات نقدية للأسر اللبنانية الفقيرة والأكثر احتياجاً، وتعزيز الوصول إلى الفرص الاقتصادية والخدمات الاجتماعية، لا سيما للنساء والشباب والفئات الأكثر احتياجاً. كما سيعمل المشروع على تعزيز الأنظمة والمؤسسات، من أجل تقديم خدمات برامج شبكات الأمان الاجتماعي على نحوٍ فعَّال ومستدام، وتحديداً عبر تطوير منصة «دعم» – التي تدعم تنفيذ برنامج «أمان» للتحويلات النقدية - لتمكينها من العمل كسجل اجتماعي وطني شامل يخدم برامج حكومية أخرى. ويستند هذا المشروع إلى أجندة إصلاحٍ طموحة تُنفّذها الحكومة لتحسين فاعلية وكفاءة منظومة الحماية الاجتماعية في لبنان، مع التركيز على زيادة المخصصات المحلية لبرنامج الحماية الاجتماعية الحكومي، إلى جانب تعزيز ديناميكية البرنامج من خلال إعادة تقييم الأسر المستفيدة للتحقق من استمرارية أهليتها وفتح باب تقديم الطلبات للأسر الجديدة دورياً، كما وتعزيز الأنظمة بما يرفع جاهزيتها لمواجهة الصدمات.
أما المشروع الثاني، وهو مشروع تسريع التحول الرقمي في لبنان (150 مليون دولار)، فيهدف إلى تحسين حصول المواطنين على الخدمات الحكومية الأساسية والفرص الاقتصادية، وتمكين عمل الشركات ورواد الأعمال من خلال بيئةٍ رقميةٍ أكثر أماناً وتوسيع آفاق النفاذ إلى الأسواق، وتمكين الحكومة من تحسين تقديم الخدمات، ورفع الكفاءة التشغيلية عبر تعزيز المنصات الرقمية وقدرات إدارة البيانات.
إضراب لثلاثة ايام
من جهة ثانية، شهدت بيروت ومناطق لبنانية عدة، امس، تحركات احتجاجية واسعة لموظفي القطاع العام والعسكريين المتقاعدين والمعلمين والقضاة والمساعدين القضائيين، تزامنًا مع بدء مجلس النواب مناقشة مشروع الموازنة العامة لعام 2026، في مشهد أعاد إلى الأذهان تحرّكات عام 2022 التي شلّت مرافق الدولة لأشهر.
وقد تظاهر مئات من موظفي القطاع العام وروابط التعليم الرسمي والمساعدين القضائيين أمام مبنى مجلس النواب في وسط بيروت، احتجاجًا على تدنّي الرواتب وتآكل القدرة الشرائية، محذّرين من تصعيد تدريجي قد يصل إلى الإضراب المفتوح في حال عدم الاستجابة لمطالبهم. وانطلقت التظاهرة بدعوة من «المجلس الوطني لقدامى موظفي الدولة»، من ساحة بشارة الخوري باتجاه البرلمان، بمشاركة العسكريين المتعاقدين والمتقاعدين، وموظفي الإدارات العامة، وروابط التعليم الأساسي والثانوي والمهني. ورفع المشاركون شعارات ولافتات تطالب باستعادة «الكرامة الوظيفية» وتحسين الأجور، مؤكّدين ضرورة رفع الرواتب بما لا يقل عن 50 في المئة من قيمتها الفعلية قبل الانهيار الاقتصادي الذي بدأ عام 2019. وبرزت لافتات للمعلمين حملت عبارات مثل «لا كرامة لمعلّم جائع»، و«راتب عادل يساوي تعليمًا أفضل»، و«الأستاذ يصنع العقول لا الأزمات»، فيما ردّد المحتجون هتافات تؤكّد رفضهم «الخضوع»، ملوّحين بخيارات تصعيدية تشمل مقاطعة الامتحانات الرسمية، تخفيض أيام التدريس، وصولًا إلى الإضراب المفتوح.
ولم تقتصر التحركات على بيروت، إذ بدأ العسكريون المتقاعدون اعتصامًا في ساحة الشهداء، فيما أقدم محتجون على قطع أوتوستراد شكا شمالاً عبر إشعال الإطارات، ما أدّى إلى زحمة سير خانقة قبل إعادة فتح الطريق. كما رُفع شعار الإضراب الشامل في قطاعات أساسية، وسط معلومات عن سلسلة احتجاجات تمتد لثلاثة أيام، تشمل الإضراب والتظاهرات والاعتصامات أمام مؤسسات رسمية.
وفي الإطار القضائي، دعا «نادي قضاة لبنان» إلى توقف تحذيري عن العمل في جميع المحاكم والدوائر القضائية، احتجاجًا على الأوضاع المعيشية، وللمطالبة بتحسين الرواتب وتأمين اللوجستيات اللازمة لقصور العدل. وأكّد النادي أنّ الإهمال المستمر للقضاة والمساعدين القضائيين غير مبرر، محذرًا من استمرار الإضراب والتصعيد في حال عدم تصحيح الموازنة.
أما روابط التعليم الرسمي، فأعلنت الإضراب في الدوامين الصباحي والمسائي، وتنظيم تظاهرة مركزية أمام مجلس النواب، مع استمرار الإضراب يومي الأربعاء والخميس، ضمن روزنامة تحركات دفاعًا عن الحقوق ورفض المماطلة.
من جهتها، أعلنت لجنة المتابعة لـ«رابطة موظفي الإدارة العامة» التزام الإضراب لثلاثة أيام، ووضعت برنامجًا تصعيديًا يشمل وقفات احتجاجية أمام مؤسسات رسمية في بيروت والمحافظات، احتجاجًا على إقرار موازنة خالية من إصلاحات حقيقية وزيادات عادلة. ويضمّ التحرك تجمعًا واسعًا من روابط القطاع العام، بينها المساعدون القضائيون، موظفو الإدارة العامة، العسكريون المتقاعدون، موظفو الجامعة اللبنانية، وروابط أساتذة التعليم الرسمي والمتقاعدين.