الاحداث- كتبت ليلى خوري
ما سُجّل على أنّه هزّة أرضية بقوة 2.5 درجات في منطقة حامات – قضاء البترون، وفق المركز الوطني للجيوفيزياء، لا يمكن التعامل معه ببرودة أعصاب أو الاكتفاء بتصنيفه كحدث عابر. فالمعطيات المتوافرة تشير بوضوح إلى أنّ ما جرى ليس هزّة طبيعية، بل تحرّك أرضي ناتج عن تسرّب خطير للمياه من سدّ المسيلحة إلى باطن الجبال الكلسية المحيطة.
الأخطر في الأمر أنّ حجم التسرّب يُقدَّر بأكثر من 100 ألف متر مكعب من المياه، تتسرّب تحت الأرض بصمت، مهدِّدة التربة والبنى التحتيّة، وقد بدأت بالفعل نتائج هذا الإهمال تظهر من خلال الانهيار الذي وقع على الأوتوستراد. وما حصل ليس حادثًا منفصلًا، بل مؤشّر أولي لما قد يتكرّر بوتيرة أخطر إذا استمرّ التعاطي الرسمي القائم على الإنكار أو التسويف.
فبدل الاكتفاء بقرار قضائي يقضي بإقفال سدّ المسيلحة بالشمع الأحمر، كان الأجدى البتّ الفوري والحاسم بملف السدّ تقنيًا ووطنيًا، واتخاذ القرار العاجل بـفتح مسارب المياه لتفريغه جزئيًا حمايةً للأرواح وللطرقات والبنى التحتيّة. فالإقفال الشكلي لا يوقف تسرّب المياه ولا يخفّف الضغط عن الجبال الكلسية، فيما التأخير في المعالجة الجذرية قد يحوّل الخطر القائم إلى كارثة حتمية.
سدّ المسيلحة، الذي شُيّد أساسًا لتأمين المياه، تحوّل اليوم إلى مصدر خطر داهم بفعل سوء الإدارة، والفساد، والدراسات الفاشلة وعدم اتخاذ القرار التقني الواضح بفتح مسارب المياه لتفريغ السدّ وتخفيف الضغط عن الطبقات الصخرية الهشّة. فالجبال الكلسية معروفة علميًا بقابليتها العالية للتآكل والتصدّع عند تسرّب المياه، وأي استمرار في هذا النهج يعني ببساطة المقامرة بأرواح الناس وبسلامة الطرق والمنشآت.
السؤال الذي يفرض نفسه: من يتحمّل المسؤولية؟ وهل ننتظر وقوع كارثة كبرى، انهيارات إضافية، أو حتى خسائر بشرية، كي يتحرّك المعنيّون؟ ألا يكفي الهدر المالي الفادح الذي رافق مشروع سدّ المسيلحة، ليُضاف إليه اليوم خطر كارثة جديدة تُهدّد الأرواح والممتلكات؟ إن التحذيرات باتت واضحة، والمعطيات العلمية لم تعد تحتمل الاجتهاد أو التبرير، وأي تأخير في فتح مسارب السدّ واتخاذ إجراءات وقائية عاجلة يُعدّ تقاعسًا فاضحًا تتحمّل مسؤوليته الجهات المعنية مباشرة.
من هنا، لا بدّ من مناشدة صريحة للتدخل الفوري. فمعالي وزير الطاقة والمياه جو صدي يدرك، كما يعرف اللبنانيون جميعًا، أنّ ما ورثه في الوزارة ملفات ثقيلة ومتشابكة مليئة بالمخالفات والفساد في قطاعات الكهرباء والمياه والسدود وغيرها. لكنّ الواقع يفرض اليوم ترتيب الأولويات، والبدء بما هو الأكثر إلحاحًا وخطورة على حياة الناس. فسـدّ المسيلحة لم يعد ملفًا إداريًا أو تقنيًا عاديًا، بل قنبلة موقوتة تتطلّب قرارًا عاجلًا ومسؤولًا قبل فوات الأوان.
ما نحتاجه اليوم ليس بيانات تطمين، بل قرارًا فوريًا وشجاعًا: تفريغ السدّ جزئيًا، إجراء تقييم جيولوجي مستقل، ومصارحة الرأي العام بحقيقة المخاطر. فلبنان لم يعد يحتمل كوارث جديدة تُضاف إلى سجلّ الإهمال المزمن، وسدّ المسيلحة قد يكون الشرارة التالية إذا استمرّ الصمت الرسمي.