Search Icon

حين يسقط العالم بصمت: الإنسان بين القوّة والمعنى

منذ يوم

أقلام حرة

حين يسقط العالم بصمت: الإنسان بين القوّة والمعنى

الاحداث- كتب أنطوان العويط

في المبدأ العام، وبالاستناد إلى الشرائع والمواثيق الدوليّة، وإلى ما نصّت عليه الدساتير الوضعيّة، حين تُدان الغزوات أو يُحتفى بها، وحين يُستنكر الاحتلال أو يُصفَّق له، وحين تستقوي الدويلة والأقاليم والفصائل على الدولة، فكرةً وجوهراً، في أكثر من بقعة من هذا العالم… ثمّ يُطوى الملفّ ويُقفل الكلام، يسقط الفعل من ميزان العدالة، وتُختزل الجريمة في اختلاف رأي، ويُختصر الدم في هامشٍ قابل للتأويل.
وعندها تُعاد صياغة الخرائط على قياس المصالح، ويُلبَس العنفُ أثوابَ السياسة والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد، أو يُعمَّد بنصوصٍ دينيّةٍ مُنتزَعةٍ من روحها، وتُرفَع فوقه راياتُ الأمن القوميّ كأنّها صكوكُ غفران، في تلك اللحظة بالذات، تُمحى القدرة على التمييز بين الحقّ والباطل، ويتهاوى مقياس الإنصاف، وتُهشَّم الشرائع… ويُغتال الإنسان.
أمام ما يجري في الشرق الأوسط وعلى امتداد العالم شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، باختلاف الرايات والذرائع وتعدّد هويّات القائمين به والمتسبّبين به، تسقط منظومة الأمم المتّحدة لا كهيكل إداريّ، بل كفكرة أخلاقيّة جامعة. وتتعرّى القوانين الدوليّة لا لعجز نصوصها، بل لانكشاف نفاق تطبيقها وانتقائيّته. يصبح القانون بياناً سياسيّاً، والعدالة امتيازاً للأقوى، والإنسان رقماً في نشرات الأخبار أو ورقة على طاولة تفاوض هندسة المكاسب.
لقد دخلنا عصر انهيار المعنى. عصر تُستباح فيه الحياة باسم الأقوى، ويُطلب من الكون كلّه أن يعتاد المشهد. غير أنّ ما يغفله المعلِّلون أنّ الصمت على جريمة، أيّاً كان مرتكبها، هو مشاركة فيها ودعوة إلى تعميمها، وأنّ التطبيع مع الباطل إعلان إفلاس أخلاقيّ شامل. فحيث يسوّغ الظلم، لا يبقى وطن آمناً، ولا إيمان طاهراً، ولا نظام دوليّ يستحق اسمه.
يحدث اليوم ما ظننّا أنّ البشريّة قد دفنته مع العصور الحجريّة، لا في الكتب ولا في الأساطير، بل في الفعل العاري. تعود البدائيّة، لا بهراوةٍ من حجر، بل بمطوّلاتٍ خطابيّة أو بعمليّاتٍ عسكريّة، يرفع لواءَها ويقودها قائدٌ ميليشياويّ أو عسكريّ، ببدلةٍ ثوريّة أو زاهية، مزيّنةٍ بالنياشين أو مجرّدةٍ منها. أو مسؤولٌ بربطة عنق وابتسامةٍ مدروسة، يتقدّم ليُملي على العالم سلوكيّاتٍ مفروضة وخطوطًا حمراء، مهدّدًا بالويل والثبور لمن يتجاهلها. كأنّ القوّة، مهما تنمّقت، تُعفى من المساءلة، وكأنّ تجاوزات الخارجين على القانون، أو تعدّياتهم وخروقاتهم وارتكاباتهم الفاضحة، متى صيغت بلغة العزّة والكرامة والسيادة، تغدو حقاًّ مشروعاً.
ما يجري اليوم ليس استثناءً في التاريخ، بل استعادة مروّعة لمسارٍ طويل من المعاناة والمآسي. من الحملات والغزوات الدينيّة إلى الإبادات الجماعيّة، ومن عهود الاستبداد إلى الحروب الكبرى، وصولاً إلى الحربين العالميتين وما تبعها من صراعات باردة وساخنة… سيل دمٍ كثيف رسمه القرن العشرون، وها هو القرن الحادي والعشرون لا يكتفي باستحضاره، بل يبشّر بإعادة إنتاجه على نحوٍ أشدّ قسوة، وأعمق انكشافاً، وأفدح إنكاراً للإنسان..

العبرة المرّة أنّ التقدّم التقنيّ لم يُهذّب الغريزة، وأنّ تطوّر اللغة لم يُنقذ المعنى، وأنّ الإنسان، في ذروة انفتاحه الاتّصاليّ، فشل في امتحان الأخلاق. صاغر طائع مستسلم، أطاح بالقيم وتجرّد من إنسانيّته.  فالوحشيّة أعادت تنظيم ذاتها، وتخلّت عن فظاظتها القديمة لصالح عنفٍ تكنولوجيّ بارد، يُدار بالأرقام ومن وراء الشاشات، ويُمارَس بلا ارتجاف.
حين يُستدعى التاريخ لا للتعلّم منه بل لتبرير تكراره، نكون أمام سقوط مزدوج: سقوط الضمير وسقوط الذاكرة. وحين يعجز العالم عن تسمية الجريمة جريمة، مهما تغيّرت لهجتها أو تبدّلت وجوه مرتكبيها، يصبح المستقبل رهينة ماضٍ لم يُحسَم بعد، وتغدو الإنسانيّة نفسها مشروعاً مهدَّداً، تحتاج إلى شجاعة أخلاقيّة تعيد للإنسان اسمه، وللحقّ معناه. 
الخروج من هذه الحالة الكونيّة لا يكون بشعارٍ إضافي ولا بنداءٍ أخلاقيّ عابر، بل بانعطافةٍ عميقة تعيد ترتيب العلاقة بين القوّة والمعنى، وبين السياسة والإنسان، وبين الحقّ والهيمنة. وهو خروجٌ شاقّ وطويل، لكنّه ليس مستحيلاً. يبدأ بكسر التطبيع مع الجريمة، وباستعادة اللغة بوصفها فعلَ عدالة، في تسمية الفعل باسمه، كما القائم به، أكان الاعتداء واقعاً على فردٍ أو جماعةٍ أو وطنٍ أو على العالم بأسره. فاللغة إمّا أن تحمي الحقيقة، أو تذبحها بهدوء.
لا خروج من دون تحرير الضمير من الاصطفاف؛ ضميرٍ يواجه المرتكب بماذا فعل بالإنسان. ضميرٍ لا يساوم تحت أيّ ذريعة، سياسيّة كانت أم دينيّة أم أمنيّة. ولا خلاص من دون استعادة السياسة بوصفها خدمةً للخير العامّ وصوناً للسلام، ومن دون إعادة تعريف الأمن، لا كقدرةٍ على القتل، بل كقدرةٍ على حماية الحياة؛ وإعادة تعريف القوّة، لا كحقٍّ في الإخضاع، بل كمسؤوليّةٍ في منع الحرام.
لا خلاص، بالتحديد، من دون إعادة بناء الشرعيّة الدوليّة من الأسفل إلى الأعلى؛ ليس عبر بيانات المنظّمات، ولا في قراراتٍ لا تُطبّق، بل عبر ضغطٍ أخلاقيّ عالميّ تقوده المجتمعات، والنخب الثقافيّة، والإعلام الحر، والمؤسّسات الأكاديميّة، والضمائر الدينيّة الحيّة، والشعراء والفنانون، لتُجبر القوّة على تبرير نفسها أمام الإنسان.
وأخيراً، وربّما هنا يكمن الأهم، الخروج يقتضي شجاعة الذاكرة. الذاكرة التي لا تُستحضر للثأر بل للمساءلة، ولا تُستخدم للتقديس بل للتحصين. فالتاريخ الذي لا يُواجَه يعود متنكّراً، والتجارب التي لا تُدان بوضوح تُستعاد بوقاحة أكبر. الاعتراف بالجريمة - أيّاً كان مرتكبها - هو الشرط الأول لعدم تكرارها.
هذا ليس كلاماً شعريّاً ولا وعظاً أفلاطونيّاً، بل هو القاعدة التي بُنيت عليها عصبة الأمم يوماً، والتي قامت بعدها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وصيغت على أساسها مبادئ شرعة حقوق الإنسان. وعليه، هكذا فقط، لا يسقط العالم ولا يخرج من هذه الحالة الجريمة، بل يخضع مرة أخرى لاختبار أخلاقيّ قيميّ، ينجح فيه أو يفشل… وتُقاس به إنسانيّته.