Search Icon

المسيحيون العرب شركاء النهضة وبناة الهوية العربية عبر التاريخ

منذ ساعتين

أقلام حرة

المسيحيون العرب شركاء النهضة وبناة الهوية العربية عبر التاريخ

الاحداث-  كتب: وائل المولى*

لم تكن الهوية العربية يومًا هوية أحادية اللون أو الصوت، بل تشكّلت عبر قرون من التفاعل الخلّاق بين مكوّنات متعددة صنعت معًا ملامح هذه المنطقة ووجدانها. وكان المسيحيون العرب في صلب هذا التشكّل التاريخي شركاء حقيقيين في صياغتها وترسيخها. لم يكن حضورهم طارئًا في مسيرة العروبة، بل كانوا رافعة من روافعها الفكرية والثقافية والسياسية، وجزءًا أصيلاً من مشروعها الحضاري.

عندما واجه المشرق العربي تحديات التراجع العثماني والتمدّد الاستعماري في القرن التاسع عشر، كان المسيحيون العرب في طليعة حركة النهضة الفكرية. حملوا لواء الدفاع عن اللغة العربية باعتبارها جوهر الهوية الجامعة، فأسهموا في إحيائها وتطويرها، وأسسوا المدارس الوطنية، وأطلقوا الصحف والمجلات، وفتحوا أبواب الترجمة على العالم. لم يكن اهتمامهم باللغة مسألة ثقافية فحسب، بل كان فعل مقاومة حضارية يحمي الانتماء ويصون الذاكرة. ومن خلال جهودهم استعادت العربية مكانتها لغة للعلم والأدب والفكر الحديث، في زمن كانت فيه مشاريع التتريك أو التغريب تهدد بإضعافها.

وامتد دورهم إلى صياغة الوعي القومي العربي الحديث، حيث آمنوا بأن العروبة رابطة ثقافية تاريخية تتجاوز الانقسامات الدينية، وتؤسس لوحدة قائمة على اللغة والمصير المشترك. فشاركوا في بلورة أفكار الإصلاح والتحرر، وأسهموا في تحويل العروبة من إطار تقليدي إلى مشروع حضاري حديث يدعو إلى الحرية والوحدة والعدالة. لقد كانت رؤيتهم تقوم على أن قوة المشرق تكمن في تنوعه، وأن الهوية العربية لا تُختزل في بعد ديني واحد، بل تتجسد في تفاعل مكوّناته جميعًا.

ومع انطلاق مرحلة الاستقلال وبناء الدول الحديثة، كان المسيحيون شركاء في صياغة الدساتير، وتأسيس الجامعات، وتطوير الإدارة العامة، والمشاركة في السلك الدبلوماسي والثقافي. انخرطوا في مشروع الدولة الحديثة على أساس المواطنة والكفاءة، وساهموا في ترسيخ مفاهيم القانون والمؤسسات وحقوق الإنسان. لم يسعوا إلى امتيازات خاصة، بل إلى شراكة متكافئة في بناء أوطان تتسع للجميع، معتبرين أن قوة الدولة تقاس بقدرتها على احتضان تنوعها لا بإقصائه.

وفي ميدان التراث، لعبت الكنائس والأديرة والمدارس دورًا مهمًا في حفظ المخطوطات وصيانة الفنون والآداب، فحافظت على جزء ثمين من الذاكرة العربية. وكان الحضور المسيحي عنصرًا أساسيًا في المشهد الحضاري لمدن المشرق، حيث تعايشت المآذن مع الأجراس، وتشابكت التقاليد الاجتماعية في صورة ثقافية غنية تعكس عمق التفاعل الإنساني في هذه الأرض. لقد كان هذا التنوّع مصدر قوة وإبداع، لا عامل انقسام.

إن قراءة منصفة لتاريخ المشرق تؤكد أن المسيحيين العرب لم يكونوا شهودًا على مسيرة النهضة، بل من صانعيها. أسهموا في حماية اللغة، وإطلاق الصحافة، وبناء الفكر القومي، وتأسيس مؤسسات الدولة، وحفظ التراث. وكل اختزال لدورهم إنما يُفقر فهمنا لهويتنا الجامعة ويشوّه حقيقة تاريخنا المشترك.

واليوم، في ظل ما يمر به المشرق من أزمات وتحديات، تبرز الحاجة إلى استعادة روح الشراكة التي صنعت ازدهاره في الماضي. فالهوية العربية لا تُصان بالإقصاء، ولا تُبنى بالانعزال، بل بالمواطنة المتساوية والاعتراف المتبادل، والإيمان بأن التنوع ثراء لا تهديدًا. إن الحفاظ على هذا التوازن التاريخي ليس دفاعًا عن مكوّن بعينه، بل عن جوهر الهوية العربية نفسها، التي تقوم وتزدهر حين يكون أبناؤها جميعًا شركاء في النهضة وبناة للهوية.

*كاتب وصحافي