Search Icon

عالمٌ شرّير...شرّيرٌ جدًّا

منذ ساعتين

أقلام حرة

عالمٌ شرّير...شرّيرٌ جدًّا

الاحداث- كتب أنطوان العويط

هل أصبح الشرّ قدرًا كونيًّا لا فكاك منه، نهرًا من السواد يجرف البشر كما يَغْشى الغبار شعاع الشمس الخافت؟ أم إنّنا نحن من ننسج خيوطه بأيدينا، ثم نرتعد حين يرتدّ إلينا طوفانًا في أبشع صوره؟
حين نتأمّل حال العالم اليوم، من الحروب العسكريّة إلى المواجهات الاقتصاديّة، ومن صعود الشعبويّات إلى تفكّك القيم، يتأكّد شعور بأنّنا نعيش في عالم يفيض بالخبث والرياء والظلم والفظاعات والموت الكثير. نحن حكمًا في عالم شرّير، شرّير جدًّا.
الشرّ هنا كائن يسكن بين الظلال، لا تُدركه العين، لكنّه يحرّك كلّ شيء حوله. يسري في الدماء قبل العقول، يزرع الفوضى في النفوس قبل المدن. يبدأ بنفسه أوّلًا، ينهب ذاته، يقتل ضميره، ويحوّل القلب إلى صحراء لا ينبت فيها حبّ. كلّ شعور بالخير يُقهر، وكلّ تأمل في الحكمة يُدفن تحت ركام الغرور، فيصبح الإنسان عدوّ ذاته قبل العالم. 
في حضوره، تصبح البراءة ضعيفة، والصدق مُنهكًا، والرحمة تتراجع إلى الزوايا المظلمة للنفس، تاركة صدى الفراغ والفوضى. أمّا أمام الضعفاء، فيصبح أقسى. يستغلّ الخوف ويعبث بالعاجز، يحطّم العدالة ويحوّل البِرّ إلى سراب بعيد. من لا حول له يصبح أداة، والصوت الكسير يُسكت لصالح صوت هادر. الهشاشة وقود، والهلع سلعة، والسلطة غاية بلا حدود، تُبرّر الجريمة وتغذّي نزعة التسلّط والإذلال. 
وفي عالمه تُسقط المبادئ، وتُمحى القيم، وتصبح الوحشيّة قاعدة، والأنانيّة قانونًا، والحقّ وهمًا. كلّ فعل يبتعد عن الإنسانيّة، وكلّ تفكير ينحرف عن التبصر، يزيد حجم الشرّ ويجعله نظامًا قائمًا بذاته، يبتلع كلّ ما هو جميل وصادق ونزيه، فيغدو الإنسانُ لاإنسانًا، سجينَ قفصٍ شيَّده بوعيه قبل أن يُحكم إغلاقه بتكبّرٍ وبغطرسةٍ وبصلفٍ وباستبداد.
الشرّ إذن ليس حادثًا عابرًا ولا حالة سطحيّة، بل كائن حيّ بأسلوبه التخريبيّ التدميريّ؛ معه يصبح الكون شاهدًا على سقوط الإنسان في ذاته، وحيدًا، بلا مرآة، وبلا عودة؟
تقول الفيلسوفة الألمانيّة هانا آرندت، التي شهدت صعود النازية وسجّلت في كتابها "أيخمان في القدس" مفهوم "تفاهة الشرّ"، إنّ الشرّ ليس دومًا وحشًا أسطوريًّا يخرج من العتمة، بل قد يكون عاديًّا، يوميًّا، يرتكبه أشخاص امتثالًا أعمى للسلطة وغيابًا للتفكير الأخلاقيّ. يصبح حينها نظامًا، يفتح الباب أمامه صمت البشر وانقيادهم.
هكذا، نجده في قرارات متعسّفة تجرّد الإنسان من حقوقه، في عقوبات جماعيّة تُلقى بلا ذنب، وفي خطابات تعبئة تضخّم المصالح على حساب الحياة. لم يعد مجرّد دبابات تعبر الحدود، بل فكرة تمتد في السياسات والأخلاقيّات الضائعة، في عقليّة جماعيّة تغيب فيها الإنسانيّة والضمير. وهنا يمكن طرح السؤال الأعمق. هل الشرّ متجذّر في الطبيعة البشريّة؟ 
يرى الفيلسوف الألماني والناقد الثقافيّ، الشاعر والملحّن واللغويّ والباحث في اللاتينيّة واليونانيّة، فريدريك نيتشه، أنّ العالم ليس ساحة أخلاق مثاليّة، بل ميدان صراع إرادات. في هذا الصراع، تتقدّم إرادة الهيمنة حين تضعف المعايير، ويتحوّل التفوّق إلى غاية بحد ذاته. ليست المشكلة في وجود القوّة، بل في انقطاعها عن المعنى والقيمة. هكذا يغدو العالم شريرًا حين تُفصل السياسة عن الأخلاق، والاقتصاد عن العدالة، والتقدّم عن الإنسان. 
بالتوازي، حذّر المهاتما غاندي من "الخطايا الاجتماعيّة السبع"، ومنها السياسة بلا مبادئ، والثروة بلا عمل، والعلم بلا إنسانيّة. اليوم، حين نرى سباق تسلّح بلا أفق، وتكنولوجيا تحلّ مكان الإنسان، وأسواقًا تُكدّس الأرباح بينما تتّسع الفجوات الاجتماعيّة، يدرك المرء أنّ الشرّ لم يعد فعلًا فرديًّا، بل بنية عالميّة ممتدّة وعميقة.
لكنّ الشرّ لا يظهر دائمًا في القوّة المباشرة. ألبرت أينشتاين العبقريّ في علم الفيزياء، رأى أنّ العالم مكان خطر، ليس بسبب الأشرار فحسب، بل بسبب الذين لا يفعلون شيئًا. حين يصمت العقلاء، تتقدّم الأصوات الصاخبة، وحين ينسحب المعتدلون، يحتل المتطرّفون المشهد. هنا، يصبح الصمت شريكًا خفيًّا في الجريمة، واللامبالاة أداة للشرّ أكثر من العنف.
في الواقع، العالم الشرّير ليس قدَرًا نهائيًا. إنّه يولد حين يتوقّف الإنسان عن التفكير. العلاج يبدأ باستعادة ملكة الحكم الأخلاقيّ، وربط السياسة بالقيم، والاقتصاد بالعدالة، والدولة بالمواطنة. أخطر ما في عالمنا ليس كثرة الأشرار، بل ضمور المقصد؛ حين تُختزل الإنسانيّة إلى أرقام، والضحايا إلى إحصاءات، والقرارات إلى صفقات، يصبح كّل شيء قابلاً للتبرير، وهنا تنطلق الشرارة الأولى للشرّ.
الروائي الروسيّ فيودور دوستويفسكي رأى الشرّ ينبع من كبرياء الفكر. في "الجريمة والعقاب" و"الإخوة كارامازوف"، يُظهر كيف يبرّر الإنسان الجريمة باسم فكرة سامية. الشرّ ينمو حين يُستغلّ الفكر كذريعة، وعند غياب المرجعيّة العليا، يصبح كلّ شيء مباحًا. أمّا الشاعر والناقد الأميركيّ - البريطانيّ تي. إس. إليوت، فقد أعدّ بيانًا شعريًّا عن عالم ما بعد الحرب العالميّة الأولى في قصيدته "الأرض الخراب": عالم الخراب الروحيّ، والتشظّي، وفقدان الجدوى. هي حضارة فقدت بوصلتها. وعندما تفقد الحضارات معناها، يصبح الشرّ نتيجة طبيعيّة للفراغ. وإذا كان الأوّل حذّر من جريمة الفكرة، فالثاني حذّر من موت الروح. 
العالم بالنتيجة ليس نهارًا ناصع البياض، ولا ليلًا دامس السواد، بل مساحة من الضوء والظلال تتداخل فيها الحتميّة والاختيار. هنا يختبر الإنسان قدرته على التفكير والمساءلة، وبين هذين الخيارين يُصاغ مصير الأمم. وعندما تستيقظ الإرادة الأخلاقيّة، يعود للعالم غاية، ويتراجع الظلام إلى حجمه الحقيقي: هشّ، بشريّ، قابل للتغيير، لا لعنة أبديّة، بل فرصة دائمًا لإعادة النور إلى الوجود.