الاحداث- كتب فيكتور الزمتر*
أظهَرَ ضبطُ تهريبُ المُتفجِّرات، سواءَ بالأنفاق، بالسيّارات أو على ظُهور الحمير، تأكيداً إضافيّاً على عورات هذا الوطن التائه، المُتلعثم بخطابه، والمُتردِّد بتنفيذ قراراته، والمُرتبك بين المُراد والمُستطاع. لقد أُوتيَ بالعهد الحالي، وخطابُ قسم اليمين الرئاسي، وبيانُ الحكومة الوزاري، مُثقَلان بالوعد والعزم على حصر السلاح وقرار الحرب والسلم، بيد الدولة، وُصولاً إلى إقرار "الحظر الفوري لنشاطات حزب الله، الأمنية والعسكرية، باعتبارها خارجةً على القانون".
سهولةُ اتخاذ القرار على الورق، وازاها تَهَيُّبٌ بالتنفيذ، ليبقى الوعدُ والعزمُ "Paroles Paroles"، ووُعوداً تفتقرُ إلى القُدرة على الوفاء بها، ما سبَّبَ مزيداً من الإحتقان السياسي، والشحن الطائفي، بل المذهبي! فادّعاءُ السيادة، يكونُ بإقران القول بالفعل، كأنْ تتركَ الدولةُ السيّدةُ للقضاء، أمرَ كشف لغز الشحنات المُتفجِّرة، عبر التحقيق النزيه والشفّاف، لتحديد ماهية المضبوطات، ومصدرها ووُجهتها والغرض منها، دون تسييسٍ أو استهدافٍ.
وفي سياق تفاقُم بورصة التحدّي، بين الدولة وحزب الله، تبنَّى أحدُ نوّاب الحزب، مُلكيةَ الشحنة، "المُكتشفة صدفةً"، مُطالِباً "بالإفراج الفوري عن المعتقلَين، واستعادة السيارة وما بداخلها"، قبل أنْ يُحذِّرَ السلطةَ "من مغبَّة التمادي في إجراءاتها.. وأنْ تُسارعَ إلى تدارُك المخاطر.."، التي تُؤدِّي " إلى تخريب البلد".
هذا التبنّي، عدا أنّه تحدٍّ سافرٌ للدولة، فقد زادَ حراجةَ موقفها، وذكَّرَها، مُجدَّداً، بأنَّ مصداقيتَها وهيبتَها، أمام اختبارٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ مُرٍّ، بين الوفاء بالتزاماتها المُكرَّرة، وبين الإقدام على مواجهة مخاطر التنفيذ. طبيعيٌّ أنْ يرتبطَ مفهومُ الدولة لمشروعية الدفاع عن حياضها، بقرارٍ وطنيٍّ مؤسَّساتيٍّ جامعٍ، ولكن، بقدر ارتباطه بقُدرة الدولة على تأمين مُتطلِّبات الدفاع عن الحدود والسيادة. من هنا، انطوى الكباشُ على إشكاليةٍ كأداء، تتراوحُ بين حقّ الدولة السيّدة الحصري، ببسط سُلطتها على كامل ترابها الوطني، وبين قُصورها العسكري والسياسي والدبلوماسي، عن استعادة وحدتها المُشرذمة وسيادتها المتآكلة، بفعل غياب الحسّ الوطني، والاحتلال الغاصب.
أمّا وقد أُرغمت الدولةُ، على الموافقة على "الاتفاق الإطار"، بدفعٍ من الرعاية الخارجية، حبَّذا لو أصرَّت، أقلُّه، على طلب التوازي، بين حصرية السلاح وانسحاب الاحتلال، وِفق برنامجٍ زمنيٍّ، مدعومٍ دولياً. لكنَّ قمَّةَ الإشكالية تكمنُ بعدم امتلاك لبنان أوراق القوَّة، لفرض الإنسحاب على العدوّ، المُستقوي بقواه الموصوفة، وبدعم الحَكَم الوسيط غير النزيه، وباستغلاله لتشرذُم الوحدة اللُّبنانية. هذا المأزقُ، يُثبِّتُ معادلةَ بقاء الإحتلال، مقابل بقاء السلاح، إذ لا يُنتظرُ انسحابُ الاحتلال، في القريب المنظور، بقدر ما يُبشِّرُ بتصاعُد التشنُّج الداخلي، مع مخاطر انفلات الأصابع المشدودة على الزناد.
فالإعترافُ بمرجعية شحنة المُتفجِّرات، لا يختمُ التحقيقَ بخلفياتها، بل يفتحُ البابَ أمام تعاظُم التحدّي، بين حزب الله والدولة. فالهمسُ الداخلي بالحسم، باتَ، اليومَ مع المُراوحة، دعواتٍ صارخةً للدولة بالتحرُّك، ومُغادرة الموقف الرمادي. ولعلَّ هذا ما دفعَ رئيسُ الجمهورية، إلى الإجتماع برؤساء الأجهزة الأمنية، مطلع الأُسبوع الجاري، حيث تقرَّرَ خلاله "التشدُّدُ في تطبيق القوانين ومنعُ المظاهر المسلَّحة، ومصادرةُ الأسلحة والذخائر، والإسراعُ في التحقيقات، وإحالةُ المخالفين للقضاء.. وتعزيزُ التنسيق بين الأجهزة الأمنية والعسكرية..".
أتت مقرّراتُ هذا الاجتماع الأمني، بُعَيْدَ اتصال "ماركو روبيو"، وزير الخارجية الأميركي، برئيس الجمهورية، واستُتبعت بصُدور استناباتٍ قضائيةٍ، لاستنطاق بعض المسؤولين في حزب الله، مع حديثٍ على إمكانية تحويل قضية المتفجِّرات، على المجلس العدلي. وهذا، إنْ صحَّ، مُؤشِّرٌ على عزم الدولة، على الخروج من شرنقة المراوحة، لإنهاء حالة ازدواجية القرار، السياسي والأمني والعسكري، مع ما يحملُه هذا العزم، من احتمالات الإصطدام المحتوم.
لقد بلغت الدولةُ من الهزال، درجةَ الإنحلال، ما جعلَ بعضَ ديارها، أطلالاً تنعبُ فيها الغربان، ومؤسَّساتَها مرتعاً لمافيات التجار وأُمراء الحرب، ومالَها العامَ والخاصَ نهباً للصوص لُقمة العيش.. فلا شيءَ تغيَّرَ، مع تغَيُّر العهد، نفاياتٌ عصيَّةٌ على الحلّ، وليالي الوطن ما زالت تستمرىءُ العتمةَ، وغالبيةُ الشعب تُغالبُ الأمعاءَ الخاوية..، بينما الدولةُ، العاجزةُ أمام تحدّي سفيرٍ أجنبيٍّ، تستقوي على المواطن بالضرائب، بدل مساعدته على استعادة جنى عُمره المنهوب..!
لقد عُرفَ عن اللُّبناني تمايُزُه بالذكاء والذوق والعلم والثقافة.. بفضل انفتاحه وعراقة جامعاته ومؤسَّساته التعليمية، ما أبرزَ فرادتَه في دُنيا الإغتراب. فكيف لهذا اللُّبنانيّ المُغترب، أنْ يُساهمَ بإعمار العالم، ويفشلُ ببناء دولته، وهو مُقيمٌ؟ وعليه، لا عجبَ إنْ بقيَ شبحُ الحرب الأهلية يُؤَرِّقُ سكينةَ اللُّبنانيين، بعد نيّفٍ وثلث قرنٍ على نجاح "اتفاق الطائف"، في تدجينها، طالما ما زالَ الوطنُ في خبر كان، بعد قرنٍ ونيِّفٍ على قيام دولة لبنان!
ويبقى الدليلُ المُفارقةُ في إحياءُ اللُّبنانيين، للذكرى السنوية لبداية الحرب الأهلية، يوم 13 نيسان المشؤوم، مُعْرِضين عن احتفائهم بيومَ 13 تشرين الثاني، تاريخ وقفِها؛ وكأنَّهم، في لا وعيِهم، على قناعةٍ بأنَّ الحربَ الأهليةَ لم تنتهِ، بل تغطُّ في هدنةٍ لالتقاط الأنفاس. فلَكم تناسلت الحربُ الأهليةُ، كل عقد أو اثنين، كلَّما طابَ لـ"قبيلةٍ" لُبنانيةٍ، أن تنفخَ بالبوق الإسرائيلي، أو الوحدوي، أو الفلسطيني أو السوري أو الإيراني.. أخذاً بالإعتبار "نشازَ" البوق اللُّبناني.
هكذا، تُقادُ البلادُ إلى التدمير الذاتي، بل إلى الإنتحار، فالشعب هائمٌ والنُخَبُ خاملةٌ، بينما يرتعُ القادةُ بالإرتهان والفساد! الترقيعُ لم يعدْ ينفعُ، من هنا، الحاجةُ الماسَّةُ لقاماتٍ رؤيويةٍ تاريخيةٍ، تـ"شطفُ الدرجَ من الأعلى"، وتستبدلُ فريق الهدم، بكفاءاتٍ ما بخلت بها، يوماً، أُمَّهاتُ لبنان.
*سفير لبناني سابق