Search Icon

هل ينقذ التطوع المجال العام في لبنان؟

منذ ساعة

من الصحف

هل ينقذ التطوع المجال العام في لبنان؟

الاحداث - كتب مازن عبّود في صحيفة النهار :"سررتُ بمخيّمٍ تطوعيٍّ للأطفال في بلدتي. فالخطوة أظهرت أنّ التطوّع مازال ممكنا. 
مقلق تراجع فسحات العمل العام وتفتّتها، وتحوّلها إلى فضاءاتٍ متباعدةٍ ومتضاربة، مما يضعف المشاركة المدنية الحقيقية. في عصرنا حلّت الإدارة محلّ الفعل السياسي، وصار السوق، عبر وسائل الإعلام، ينوب عن الناس الذين انسحبوا إلى حياتهم الخاصة واستهلاكهم، فتآكل المجال المشترك. كانت فضاءات العمل العام والمشاركة أكبر وكان التطوّع خبزا ينمي حياتنا ويعطي وجودنا معنى.  مساحاته تلزم لتنتج خيرا وتضامنا وشبكات تفاعل وثقة ومشاركة وحياة عامة. منظمات المجتمع المدني تصنع مواطنين لا مستهلكين.
اعتبرت Hannah Arendt (1958) انّ الحداثة طمست الحدود بين الخاص والعام. فهيمنة الاقتصاد والإدارة البيروقراطية على الشأن العام اضعفت الفعل السياسي في فضاء مشترك.  تراجع العمل التطوعي حوّل الأفراد من شركاء في القضايا العامة إلى مستهلكين. تضعضعت شبكات الثقة والتعاون التي تنتجها عضوية الجمعيات.  فتقلصت أدوار مصانع رأس المال الاجتماعي. 
مما أدى الى تراجع استعداد الأفراد للانخراط في علاقات مدنية تتجاوز دوائرهم الخاصة Richard Sennett,1977)). فقد تداعت القدرة على التعامل مع الآخر بوصفه شريكًا في فضاء عام مشترك، وأصبحت المشاركة في الحياة العامة تهديدا بالانكشاف.
تحدّث Jürgen Habermas (1962) عن «التحوّل البنيوي للمجال العام»، اعتبر أنّ المجال العام البرجوازي، الذي استند تاريخيًا إلى الجمعيات المستقلة والصحافة وثقافة الطباعة والنقاش النقدي، تعرّض لتفريغ من مضمونه، بفعل وسائل الإعلام التجارية التي تهيمن عليها المصالح الاقتصادية. فتحوّل المجال العام من فضاء للمداولة السياسية وتكوين الرأي العام إلى فضاء للعرض والاستعراض، وانسحب الأفراد إلى حياتهم الخاصة. 
تراجع «الإنسان العام» الذي ناقشه Sennett (1977)، وتصاعدت ثقافة نرجسية تركّز على الإشباع الشخصي.
هيمنة الشاشة وفق Neil Postman (1985) فتّتت الخطاب العام وجعلته أكثر سطحية وانفعالية. فالتلفزيون حوّل النقاش السياسي إلى ترفيه. وقد سرّع العصر الرقمي هذا التفكك، فصارت المعلومات أسرع تدفقًا وانتشارًا، لكن أقل ارتباطًا بالاستمرارية والسياق والعمق.
ووفقًا لـ Byung-Chul Han (2015)، يعزز التواصل الرقمي منطق السرعة والآنية والظهور. فتتحول تفاعلاتنا عبر شبكات التواصل إلى أسراب مجزأة من الغضب والسعي إلى الظهور والتعبير الانفعالي السريع. مما يعيق تحولها إلى حركات سياسية مستدامة ومتماسكة. 
الأنشطة التطوعية التي تنتج شبكات ثقة وتفاعل ضرورة في عصرنا. تطوعوا وشجعوا اولادكم على التطوّع والعمل العام.  فلندعم مبادرات استعادة المساحات العامة لإنتاج راس مال اجتماعي يلزم لنمو اقتصادنا والحفاظ على جودة حياتنا.