الاحداث – كتب جورج شاهين في صحيفة الجمهورية يقول:"مع انتهاء مهلة الأيام الـ 60 للحرب التي خاضها الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إيران من دون إذن مسبق من الكونغرس، تعدَّدت السيناريوهات الخاصة بالخطوات اللاحقة. فالحديث عن نهايتها ليس دقيقاً، وفي إبلاغ الكونغرس بالعكس، خطوة ملزمة. ولذلك توجَّهت الأنظار إلى حصيلة المفاوضات بشأن العروض المتبادلة، على وقع رفض أميركي لآخرها، وسط استعداد تل أبيب لاستئنافها في أي لحظة إن لم تشاركها واشنطن. وعليه، طُرِحت الأسئلة عمَّن خاب ظنّه من استحقاق هذه المهلة؟
منذ اللحظة التي بدأت فيها الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران صباح السبت في 28 شباط الماضي، تعدَّدت السرديات التي تتحدّث عن "الصبر الاستراتيجي" الذي تُتقِنه إيران، ومعها مجموعة المهل التي يمكن أن تتحكّم بالحرب ووقائعها، التي يمكن أن تستفيد منها إيران في مواجهتها للحرب وتداعياتها. ومن بين هذه المهل التي تكرَّر الحديث عنها في أكثر من مناسبة، تلك التي تتحدّث عن مهلة الأيام الـ60 في "قانون الحرب" الأميركي. وهي المهلة التي يُسمح فيها للرئيس باتخاذ أي "قرار منفرد" يمكن أن يصل إلى حالة "إعلان الحرب" في أي منطقة في العالم، على قاعدة حماية الأمن القومي والمصالح الأميركية العليا التي لا يعلو عليها أي شأن آخر.
على هذه الخلفيات توقفت مراجع ديبلوماسية واستخبارية أمام هذه المعادلة، لتدلّل أنّه آن أوان احتساب ما انتهت إليه العمليات العسكرية ضمن هذه المهلة بأيامها الـ60، فرأت في محاولتها لقياس قدرة إيران على تجاوز تداعيات ما انتهت إليه الحرب تشكيكاً كبيراً في ما هو متوفّر من قدرات يمكن أن تنعكس ضعفاً في مدى استعداداتها للمرحلة المقبلة، إن استؤنفت الحرب على إيران. ولا سيما في الحالتَين: وإن كان أولاهما ترك الأمر لتل أبيب، بعد تسليمها أول طائرة تزوّد بالوقود جوّاً من طراز KC-46 من أصل 6 من مثيلاتها، لتسهيل تنفيذ الأعمال العسكرية البعيدة المدى أبعد من طهران. وثانيهما، إن قرّر القيام بما تعهّد به بضرب مصادر إنتاج الطاقة والجسور الحيوية، لزيادة ما تعيشه البلاد من انهيارات داخلية ما زالت تتكتّم على جوانب عدة منها. ذلك أنّه لم ينضح منها، سوى انهيار العملة الوطنية، بعدما تجاوز سعر الدولار الأميركي عتبة المليون و800 ألف تومان للدولار الواحد، فيما كان قبل الحرب ما بين 43 ألفاً و47 ألفاً، عدا عن النتائج المترتبة على استمرار الحصار الأميركي لموانئها، ولا سيما تلك المخصصة لتصدير النفط ومشتقاته.
وفي حسابات مَن لا يجاري هذه القراءة المتشائمة لنتائج الحرب على إيران، يصرّ العارفون من بينهم على القول، إنّ النظام الذي استوعب نتائج "الضربة الصاعقة الأولى" التي أودت بحياة المرشد الأعلى علي الخامنئي وكبار معاونيه، وعشرات القادة من وزراء وعسكريِّين من مسؤولي الأمن القومي والجيش والحرس الثوري والاستخبارات وعدد من الخبراء النوويِّين، لم يتوصَّل بعد إلى تشكيل القيادة الإيرانية المتجانسة. وهو ما أظهرته الانقسامات الداخلية حول ما يمكن القيام به مع بدء أولى جلسات المفاوضات المباشرة مع الأميركيِّين تجاوباً مع المبادرة الباكستانية، والتي ما زالت تجرّ ذيولها السلبية حتى اليوم. وما قد يزيد في الطين بلّة، أنّ الحصار الذي فرضته البحرية الأميركية على الشواطئ الإيرانية ومضيق هرمز قد تزيد من حدّة الانهيارات المتوقعة في أكثر من قطاع داخلي، ولا سيما النفطي منها، إن لم تنجح في خرق الحصار المفروض على إنتاجها النفطي على الأقل، وما كان يوفّره من سيولة مالية كبيرة بالعملات الصعبة، شكّلت دعامة للحدّ الأدنى من الدورة الاقتصادية، فكيف إن استؤنفت الحرب واستهدفت القطاعات الحيوية، والمنشآت الصناعية التي توفّر حاجة السوق الداخلية من المواد الغذائية، بعدما استغنى لعقود من الزمن عمّا كان يستورده من الخارج نتيجة العقوبات المتعدِّدة المصادر.
وإلى هذه المؤشرات الخاصة بالشؤون الداخلية الإيرانية، تُعبِّر المراجع عينها عن جملة مخاوف قد تنعكس على الساحات المرتبطة بالتوجّهات الإيرانية ومنها الساحة اللبنانية، التي عليها أن تستعد إلى نوع جديد من المواجهات، ما لم تنجح المساعي للفصل النهائي بين ما يجري عليها وإيران. ذلك أنّ هناك مَن لا يزال يراهن بأنّ القيادة الإيرانية ستقلب الأمور رأساً على عقب على قاعدة شلّ الحركة العسكرية الأميركية بعد نهاية مهلة الـ 60 يوماً، على عكس ما هو قائم منذ فرض الحصار على المنطقة. وهو ما عبّرت عنه خطوات "القيادة المركزية الأميركية"، التي أعلنت أمس بأنّ مدمِّرات صواريخ موجّهة تابعة لبحريتها انضمّت إلى قواها في الخليج، وتمكّنت من عبور مضيق هرمز دعماً لما سمّته "مشروع الحرّية" الذي يهدف إلى تنفيذ وعد ترامب بتسهيل حركة العبور لحاملات النفط غير الإيرانية المحمّلة بالمشتقات النفطية من موانئ دول الخليج العربي ضمن المضيق، وقد نجحت أولى الخطوات التنفيذية بتسهيل عبور سفينتَين تجاريّتَين ترفعان العلم الأميركي المضيق بأمان.
وإلى أن تأتي الأيام المقبلة، بما هو مرتقب من إجراءات أميركية وإيرانية، تنصح المراجع الديبلوماسية لبنان ودول المنطقة، بضرورة الاستعداد لمرحلة مقبلة، لن يتغيّر فيها الوضع قبل أو بعد نهاية مهلة الأيام الـ60. فالكونغرس الأميركي لن يخذل الرئيس إن طلب التفويض مرّة جديدة بالنسبة إلى حربه مع إيران وسيناله بسهولة. أمّا بالنسبة إلى الوضع في لبنان، فهو بات في عهدة "طاولة مفاوضات واشنطن" متى استؤنفت بنسختها الثالثة هذا الأسبوع، على عاتق تل أبيب أياً كانت الظروف. وعليه، فإنّ مَن راهن على مهلة الـ 60 يوماً لتكون فاصلاً بين مرحلتَين قد خاب ظنّه أينما كان.