الاحداث – كتب جورج شاهين في صحيفة الجمهورية يقول:"قدَّم "حزب الله" خلال عطلة نهاية الأسبوع مؤشرَين إلى توجُّهَين متناقضَين، ترجمهما موقفان يحملان ما يكفي من الإلتباس. وقد توزّعا بين قائل بـ "تلمُّسه" في مواقف الرئيسَين عون وسلام "اتجاهاً لتصويب الموقف التفاوضي ليقترب من ثوابت لبنان"، وآخر يتساءل "في أي حق يتجاوز رئيس الجمهورية رئيس مجلس النواب نبيه بري". وهو ما دفع إلى نقاش هادئ حول مَن هي الجهة المطلوب منها "تصويب موقفها"، وتلك التي تحاكي "احترام الدستور ومبدأ الفصل بين السلطات". وهذه عيّنة ممّا شهده هذا النقاش.
توقفت مراجع سياسية وديبلوماسية أمام بعض المواقف الملتبسة التي شهدتها عطلة نهاية الأسبوع، خصوصاً أنّها كانت حافلة بالمواقف المتضاربة على مسافة أيام قليلة من "طاولة واشنطن 3" المقرَّر عقدها الخميس والجمعة المقبلَين. وهي محطة يُتوقع أن تنقل المفاوضات المباشرة إلى مرحلة متقدّمة، إن صحّت بعض السيناريوهات المرسومة لها. كما أنّها تستند إلى التحوُّل المستجد، بعد أن ارتقى تمثيل الوفدَين إلى ما هو أرفع من مستوى السفيرَين، بمشاركة مدنيِّين وعسكريِّين. بما يوحي بإطلاق خطوة أولى على الطريق الطويل إلى آلية جديدة في المستقبل، إن فاجأ الجانب الأميركي الوفدَين بخطوة ما تتعلّق بتطوير مرحلة وقف النار إلى ما هو أبعد منه.
وبمعزل عن هذه الخلفيات، كشفت مراجع سياسية وديبلوماسية مطلعة، أنّ التخطيط للجلسة المقبلة بلغ مرحلة متقدمة في اتجاه إنجاز تحتاجه الإدارة الأميركية، بناءً لرغبة دفينة لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بتحقيق إنجاز ليس مستحيلاً على "مسار واشنطن"، وخصوصاً بعدما تعثرت كل الخطوات الممكنة على "مسار إسلام آباد"، إذ لم ينجح الوسيط الباكستاني بتوفير الأجواء التي تسمح بعقد الحلقة الثانية منها. ومردّ ذلك إلى حجم التعقيدات التي واجهته، على رغم من الدعم الذي لقيه من أكثر من قوّة إقليمية ودولية. لكنّه فشل في التوصُّل إلى الحدّ الأدنى من النقاط المشتركة التي تُعيد طرفَيها إليها. وإن تعثر هذا المسار، فلِمَ إعادة الربط مع الثاني بعد الفصل بينهما إن كان ممكناً الإقلاع بما رُسِم له؟
وانطلاقاً ممّا تقدَّم، يبدو لِمَن يتابعون أدق التفاصيل، أنّ رعاية الرئيس ترامب شخصياً للمسار اللبناني بعد استضافة الطرفَين في المكتب البيضاوي، قد أثمرت، ولا يمكن تجاهل ما عكسته من نتائجها المباشرة وغير المباشرة على مستقبلها، بعدما طلب تسخير الإمكانات للتوصُّل إلى إنهاء الحرب في لبنان، وتجاوز ما يعوّق أي خطوة لحصر السلاح غير الشرعي بيد الجيش والقوى الأخرى، بعد وقف شامل وثابت للنار وبرنامج واضح لبرمجة الانسحاب الإسرائيلي بالتزامن مع حصر السلاح وبسط سلطة الدولة على كل أراضيها، لطمأنة الطرفَين بأهم ما يريدانه من أمن واستقرار مبني على "إنهاء حالة الحرب بين البلدَين"، تضمن منع أي اعتداء محتمل من أي منهما.
ويعترف العارفون، أنّ أي خطوة تحققها الجلسة المقبلة في هذا الاتجاه، ستُسجَّل إيجاباً للوسيط الأميركي، الذي أبدى تفهُّماً للتوجُّهات اللبنانية الرسمية في شأن أي خطوة تتجاوز المصلحة الوطنية في هذه المرحلة الحساسة والدقيقة. خصوصاً بالنسبة إلى المطلب الأميركي بإجراء أي اتصال أو عقد أي لقاء بين الرئيس عون ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، قبل إتمام هذه الاستحقاقات الداهمة. ولتُشكِّل أي خطوة بهذا الحجم، تتويجاً لتفاهم لم تحققه أي إدارة أميركية، أو أي وسيط دولي من قبل. علماً أنّ أي إنجاز لا يمكن أن يتخطّى إعلان "إنهاء حال العداء" بين دولتَين. وهو لا يرقى إلى مرحلة "التبادل الديبلوماسي" وما يلازمه من تطبيع وإجراءات تتصل بالعلاقات الاقتصادية. ذلك أنّ لبنان لن يتخطّى إجماعاً عربياً على مثيلاتها، ولا سيما التفاهم على مشروع "حل الدولتَين" إن بقيَ اقتراحاً متقدِّماً ينتظر إدارة إسرائيلية متفهّمة، ومعهم أصحاب الاتفاقيات الإبراهيمية وخلافها التي عقدتها بعض الدول مع إسرائيل.
وبناءً على ما تقدَّم، تناولت مراجع تتابع مسار المفاوضات، موقف النائب علي فياض، مستغربةً "تلمُّسه اتجاهاً لتصويب الموقف التفاوضي اللبناني ليقترب من ثوابت لبنان" في المواقف الأخيرة لكل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، في وقت يقرّ الجميع بأنّ ذلك لم يحصل. فالثوابت التي تمسّكا بها منذ اللحظة الأولى، انطلاقاً من "مبادرة عون الرباعية" التي قادت إلى المسار الجديد، لم تتبدَّل، وإن أوقف البعض تفسيره المزاجي لمواقفهما، سيكون عليه هو "تصويب" موقفه والإقرار باستحالة التراجع عن قرارات الحكومة المتخذة في 5 و7 آب و7 أيلول العام الماضي، و2 آذار و9 نيسان من السنة الجارية، ووقف تجاهل كل المبادرات التي تناولت بأولوياتها حصر السلاح غير الشرعي.
ولما أجابت المراجع عينها ومعها خبراء دستوريّون، على سؤال الوزير السابق محمود قماطي عن "تجاوز عون لمواقف بري"، قيل له من باب النصيحة، بمراجعة الدستور للتعرُّف على الفصل بين صلاحيات السلطتَين الإجرائية والتشريعية، ومتى يأتي دور كل منهما في مثل هذه الحالات حصراً. فلا ينسى أحد أنّنا نعيش اليوم في ظل سلطات بكل مواصفاتها الدستورية. وإنّ أي شخص مهما علا شأنه، لا يمكن أن يختصر أي سلطة بشخصه.