Search Icon

واشنطن 2026: هل يكتب لبنان استقلاله الثاني... أم يدخل أخطر تسوية في تاريخه؟

منذ 54 دقيقة

من الصحف

واشنطن 2026: هل يكتب لبنان استقلاله الثاني... أم يدخل أخطر تسوية في تاريخه؟

الاحداث- كتب جورج صولاج في صحيفة الجمهورية يقول:"في الرابع عشر والخامس عشر من أيار 2026، لن يذهب الوفد اللبناني إلى واشنطن لمناقشة مجرّد ترتيبات حدودية أو تفاهمات أمنية عابرة. ما يجري أبعد بكثير: إنّه نقاش حول شكل لبنان المقبل، وهوية الدولة، وحدود السيادة، وموقع «حزب الله» في المعادلة الداخلية والإقليمية.

للمرّة الأولى منذ عقود، يقف لبنان أمام لحظة تشبه لحظات تأسيس الكيانات لا إدارة الأزمات. فالدولة اللبنانية، بقيادة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون وحكومته، باتت أمام خيار مصيري: إمّا استعادة القرار السيادي الكامل تحت عنوان «لبنان أولاً»، أو البقاء داخل نموذج الدولة المعلّقة بين المؤسسات الرسمية وموازين القوى المسلّحة.

واشنطن لا تتعامل مع هذه المفاوضات كجولة تقنية لتثبيت الهدنة، بل كمشروع إعادة هندسة للواقع اللبناني - الإسرائيلي برعاية أميركية مباشرة. إدارة الرئيس دونالد ترامب تريد «إنجازاً استراتيجياً سريعاً» في الشرق الأوسط، ووزير الخارجية ماركو روبيو يقود مساراً واضحاً لفصل الملف اللبناني عن الاشتباك الإيراني الأوسع.

الرسالة الأميركية تبدو شديدة الوضوح:

لا مساعدات بلا استقرار.

لا إعادة إعمار بلا اتفاق.

ولا دعم اقتصادياً للبنان من دون واقع أمني جديد جنوب الليطاني.

أمّا إسرائيل، فتعتبر أنّ ما بعد حرب 2025 ليس كما قبلها. بالنسبة إليها، انتهى زمن القبول بوجود بنية عسكرية لـ»حزب الله» قرب الحدود. ولذلك، تضغط لفرض «حزام أمني تقني» يضمن خلو الجنوب من أي قدرات صاروخية أو لوجستية أو استخباراتية للحزب، مع احتفاظها بما تعتبره «حق التدخّل العسكري عند أي تهديد وشيك»، حسب تقديرها.

وهنا تحديداً تبدأ العقدة الكبرى. فالمسألة لم تعُد مرتبطة فقط بسلاح جنوب الليطاني، بل بمستقبل «حزب الله» نفسه. الحزب يدرك أنّ أي تسوية أمنية دائمة قد تتحوَّل تدريجياً إلى مسار داخلي ودولي لنزع سلاحه كاملاً، أو على الأقل تقليص دوره العسكري والإقليمي.

ولهذا السبب، فإنّ السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل يوافق الحزب على الاتفاق؟

بل: هل يستطيع القبول باتفاق يغيّر طبيعة لبنان التي تشكّلت منذ عام 2006؟

حتى الآن، يتصرَّف الحزب بحذر شديد. فهو يعرف أنّ الخسائر فادحة وأنّ البيئة الداخلية تغيّرت، وأنّ الانهيار الاقتصادي والتعب الشعبي بلغا مستويات غير مسبوقة، حتى داخل بيئته الحاضنة. كما يدرك أنّ أي مواجهة داخلية لإسقاط التسوية قد تُتهم بأنّها تعطيل مباشر لفرصة إنقاذ لبنان.

 

لكن في المقابل، هو ليس في وارد تقديم «استسلام استراتيجي». لذلك، يُرجّح أن يحاول تعديل شروط الاتفاق لا إسقاطه بالكامل، عبر:

• فرض تطبيق تدريجي للترتيبات الأمنية،

• الفصل بين جنوب الليطاني وباقي ملف السلاح،

• الحصول على ضمانات بعدم استهدافه سياسياً،

• وربط أي تنازلات بمسار التفاوض الأميركي - الإيراني.

 

وفي الواقع، لا يمكن فهم ما يجري في واشنطن من دون ربطه بالمشهد الإقليمي الأوسع. فالإدارة الأميركية باتت مقتنعة بأنّ استقرار لبنان يبدأ بفصل الساحة اللبنانية عن القرار الإيراني، بينما ترى طهران أنّ خسارتها الورقة اللبنانية تعني ضربة استراتيجية لنفوذها في شرق المتوسط.

 

لكنّ الأخطر، أنّ الاقتصاد اللبناني لم يعُد يملك ترف الانتظار. أرقام البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي الصادرة في أيار 2026 ترسم مشهداً كارثياً:

• أكثر من 14 مليار دولار خسائر مباشرة،

• مليون نازح،

• شلل اقتصادي واسع،

• وتآكل شبه كامل لقدرة الدولة التشغيلية.

بمعنى آخر: لبنان لم يعُد يقف على حافة الانهيار، بل داخل الانهيار نفسه.

 

وفي ظلّ كل هذه الوقائع، يعود شبح 17 أيار 1983 ليُخيّم مجدّداً على النقاش اللبناني. يومها سقط الاتفاق تحت ضغط السلاح والوصايات الإقليمية. أمّا اليوم، فالصورة مختلفة:

الوصاية السورية انتهت عملياً، وإيران تواجه واحدة من أصعب مراحلها الداخلية والإقليمية، فيما تبدو الولايات المتحدة أكثر تصميماً من أي وقت مضى على إعادة رسم التوازنات الأمنية في المنطقة.

 

لهذا، يقف لبنان أمام مفترق قد يكون الأخطر منذ اتفاق الطائف: إمّا الذهاب نحو تسوية تُنهي الحروب وتُنجز جدولاً زمنياً لانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية وتفتح باب إعادة الإعمار، وعودة النازحين، واستعادة الدولة لقرارها الأمني والعسكري، وإمّا السقوط التدريجي في نموذج «الدولة الفاشلة» التي تتحوَّل أرضها إلى مساحة استنزاف دائم وحروب مفتوحة.

 

في النهاية، واشنطن تستطيع أن ترعى الاتفاق، وإسرائيل تستطيع أن تضغط، وإيران تستطيع أن تناور، و»حزب الله» يستطيع أن يعطّل أو يفاوض... لكنّ السؤال الذي سيحدِّد مصير المرحلة المقبلة يبقى واحداً: للمرّة الأولى منذ عقود، يُطرح السؤال بلا أقنعة: مَن يحكم لبنان فعلياً... الدولة أم السلاح؟ والجواب هذه المرّة قد يرسم مصير الكيان نفسه.