الاحداث- كتب جورج شاهين في صحيفة الجمهورية:"تعدّدت الرسائل من أكثر من موقع وفي أكثر من اتجاه، أولاها من واشنطن، حيث عُقدت القمة الأميركية ـ اللبنانية الاستثنائية في توقيتها وشكلها ومضمونها، إلى ما انتهت اليه المرحلة الأولى من "المناطق التجريبية" وصولاً إلى الاستعدادات الجارية لعقد "طاولة روما 2"، وما يمكن أن يُطرح عليها، بعد "تجربة الزوطرين" الشرقية المحتلة والغربية التي كانت مضروبة بالنار. ولذلك، تعددت الأسئلة في انتظار الأجوبة على بعضها. وهذه عينة منها.
أجمعت مراجع سياسية وديبلوماسية وعسكرية على الاعتراف بصعوبة تقييم النتائج التي أفضت اليها المحطات المتلاحقة في الأيام الأخيرة، توصلاً إلى ما أسفرت عنه من نتائج، في انتظار مزيد من التفاصيل الضرورية التي انتهت إليها كل محطة منها. فمنذ "طاولة روما 1" التي عُقدت في 14 و15 تموز الجاري، والتي شكّلت، إن تمّ اعتبارها من نتاج "طاولة واشنطن 5" تتمة لما تقرّر فيها عند إطلاق "صيغة الإطار" كـ "الجولة السادسة" من "مسار واشنطن". وهي محطة خُصّصت للبحث في برامج الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني في المناطق المحررة وفق صيغة "المناطق التجريبية"، وصولاً إلى القمة الأخيرة بين الرئيسين جوزاف عون ودونالد ترامب، وما بينهما من تحضيرات سبقت انعقاد القمة بساعات، لتنفيذ المرحلة الاولى من هذه المناطق في مجموعة من القرى المحرّرة والمحتلة على جانبي مجرى نهر الليطاني، بمعزل عن الحديث إن كانت كلها محتلة او تلك المُسيطر عليها بالنار او المحرّرة منها.
ففي نظر خبراء عسكريين، انّ اختيار المنطقة التجريبية الأولى لم يكن امراً عادياً وتقليدياً او بالمصادفة، وانّ التبصّر في طريقة توزع القرى التي شملتها المرحلة الأولى بين جنوب مجرى النهر وشماله، يهدف إلى توجيه رسالة بصعوبة الفصل بين المنطقتين على أساس التمييز بين جنوب النهر وشماله، كما توحي المواقف الأخيرة لـ "حزب الله". وهي التي أطلقت تلميحاً من مسؤوليه، كما على ألسنة الدائرين في فلكه، بأنّه على استعداد للتعاطي مع مناطق جنوب النهر بطريقة إيجابية لتصبّ في مصلحة تنفيذ خطط الجيش للانتشار والسيطرة العملاتية على المنطقة. وهي عملية لا تنطبق على طريقة تعاطيه مع شماله. وخصوصاً انّها جاءت على وقع الضغوط الأميركية الأخيرة التي منعت قوات الاحتلال من التوسع في تلك المناطق، بدليل توقف أعمال التوغل على عتبة تلة "علي الطاهر" توطئة للوصول إلى منطقة اقليم التفاح، رغم انّها قد وسعت من احتلالها إلى شمالي النهر في أكثر من بقعة استراتيجية، وخصوصاً بعد سيطرتها على "قلعة الشقيف" والنقاط المطلة على النبطية وقرى مجاورة.
وبمعزل عن هذه التفاصيل المتصلة بانتشار الجيش وخريطة الطريق المؤدية إلى اطلاق برامج "المناطق التجريبية" وما رافقها من خلل في مراحل التنفيذ الأولى، فقد كان لافتاً انّ الجيش استبق ما تقرّر عند تحديد المنطقة الأولى بنشر قواته في القرى المحرّرة وصولاً إلى الزوطرين الشرقية والغريية، على وقع اللغط الحاصل بين كون الغربية منها لم تكن محتلة بالوجود العسكري المباشر على عكس الشرقية منها، مع ما رافق ذلك من إشكال نتيجة تعرّض قوات الاحتلال لوحدات الجيش التي انتشرت حتى المتر الأخير من الحدود المتفق عليها في زوطر الغربية، برصاصات تحذيرية لم تثنِ الجيش عن إكمال انتشاره فيها، قبل أن يتقدّم بشكوى أمام اللجنة الخاصة بإدارة هذه المرحلة، واستقبال رئيس الحكومة نواف سلام في ساحتها الأساسية، حيث رفع العلم اللبناني.
وإلى هذه الوقائع، تعترف هذه المراجع أنّ التقييم الأخير ينتظر موقفاً نهائياً من الفريق الأميركي المكلّف تنفيذ "المناطق التجريبية"، في ظل غياب القوة الإضافية التي ستشاركه هذه المهمّة. ذلك أنّ الاتصالات التي يجريها وفد المنطقة الأميركية الوسطى "سنتكوم" لم تنته إلى قرار واضح، خصوصاً أنّ المرحلة الأولى من هذه المناطق قد نُفّذت، وانّه لا بدّ من تقييم نتائجها قبل تحديد الثانية وما ستشمله على الأرض من "قرى محتلة" في مقابل "قرى محرّرة" كما في الأولى منها، للانطلاق في تطبيقها والتوسع في برنامج "المناطق التجريبية"، إلى درجة يمكن أن تسمح بمستقبل هذه الخطة، بعدما تعهّد "الراعي" او "المسهل" الأميركي بعبور هذه المرحلة الدقيقة اياً كانت المتاعب التي يمكن أن تواجهها.
وهنا، تعترف المراجع عينها، بانّ المتاعب التي تهدّد المرحلة الثانية من هذه المناطق ليست من طرف واحد. وإن كان أحدها من الجانب الإسرائيلي، قد يكون الثاني من "حزب الله" في آن. ذلك انّه وفي مقابل الشكوك الإسرائيلية بقدرات الجيش اللبناني، يبرز موقف الحزب الرافض تسليم سلاحه وإنهاء انتشاره المسلح في القرى المحررة شمال مجرى الليطاني. وهي تجربة تعدّ استنساخاً لأسلوب سابق رافق المساعي التي بُذلت لتنفيذ اتفاق "27 تشرين الثاني 2024" وحالت دون تنفيذه كاملاً. وليس خافياً على أحد، أنّ تلك المعوقات هي التي قدّمت الحجج - على أطباق من ذهب - لتجاوزه من الجانبين الأميركي والإسرائيلي واعتباره لاغياً، إلى أن ولد البديل متجلّياً بـ "صيغة الإطار"، وإدراجه على لائحة تجاوز الأخطاء التي ارتُكبت في ذلك التفاهم بعد مرور أكثر من عام ونصف عام على صدوره.
وقياساً على ما تقدّم، تترقّب الأوساط الديبلوماسية والسياسية وصول قائد المنطقة الوسطى الأميركية الادميرال براد كوبر إلى بيروت، للإطلاع على ما أنجزه فريقه الموجود في لبنان منذ ما قبل "قمة واشنطن"، للبتّ بمصير المرحلة الأولى وتحديد موعد الثانية، والتأكّد من خلو المناطق المحرّرة من أي وجود مسلح خارج إطار الوحدات العسكرية اللبنانية، بما يفتح الباب أمام الانتقال إلى مرحلة جديدة تتعلق بتوسيع نطاق هذه المناطق. وكل ذلك يجري وسط توقعات بصعوبة التوصل إليها قبل "لقاء روما 2" في 4 آب المقبل، وإن حصل العكس كما ينوي الجانبان اللبناني والأميركي، قد يتمّ تحديدها قبيل انعقاد الطاولة. وعندها قد تتوافر بعض الأجوبة على أسئلة ما زالت دونها، ومن بينها التثبت مما ستكون عليه انعكاسات "قمة واشنطن" بين عون وترامب، وما ستنتهي اليه قمة ترامب ـ نتنياهو في الأيام المقبلة. و"طاولة روما 2" وما بينهما من خطوات ما زالت قيد البحث، من دون القدرة على إدراجها على "لائحة الإنجازات" او العكس تماماً.