الاحداث- كتب نبيل بو منصف في صحيفة النهار يقول:"لا يختلف الخط البياني العام لتكوين "حزب الله"، ولو أنه يندرج أصلاً في إطار الحركات الإسلامية، عن الأحزاب التوتاليتارية الكلية مثل الحزب الشيوعي الذي حكم الاتحاد السوفياتي السابق أو حزب البعث بشقيه السوري والعراقي أو نظام الملالي في إيران، أو حتى أحزاب اليمين المتطرف التي أقامت حالات أيديولوجية توتاليتارية في الغرب، وذلك من منطلق أن التعبير عن الأيديولوجية والنمط والموقف والسياسات يغدو لازمة كلامية لفظية واحدة يرددها جميع المحازبين وأنصار الحزب بلا تمايز إطلاقاً.
ولكن ما يمكن إدراجه في إطار "خصوصية" أضافها "حزب الله" أخيراً إلى كونه يتشابه مع أحزاب تمضي قدماً نحو الانقراض، أنه أراد أن يجعل من التعبير المقذع، الفائق العنف والابتذال في آن معاً، وسيلة هجومية تملأ فراغ قرار حائر ومعلق بين فعلٍ فتنوي داخلي صار شبه مستحيل وفعلٍ حربي متدحرج وضعت في وجهه موانع وخطوط حمر.
والحال أن مراجعة سريعة لمسار التطورات التي سبقت توقيع الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل في 26 حزيران/يونيو الماضي في واشنطن وبعد توقيعه، تظهر أن خطاب الحزب، على ألسنة نوابه وأمينه العام والسياسيين الدائرين في فلكه وفلك النفوذ الإيراني الآخذ بالأفول، هذا الخطاب وإن كان منذ نشأة ظاهرة الحزب في لبنان ينضح بنزعات العنف والكراهية للخصوم على قاعدة تعميم العدائية لإسرائيل على معظم الآخرين من شركاء الوطن، بلغ هذه المرة ذروة انكشافه.
لا تقف هذه الظاهرة فقط عند التدليل على مستوى الاحتقان والتوتر اللذين يطبعان ردة فعل الحزب على سلطة لبنانية صدمته الصدمة غير المحسوبة في مواجهة صلب وظيفته كذراع تستحضر الحروب مع إسرائيل، وتتورط في صراعات المنطقة كلها لمصلحة إيران، بل إن منسوب التحقير والشتيمة في استنفاد خطاب العدائية ضد رئيسي الجمهورية والحكومة والقوى المؤيدة للسلطة وخيار التفاوض مع إسرائيل، يعكس في الغالب "بديلاً من ضائع".
هذا الضائع ذهب ولم يعد ولن يعود، وفقد بوصلته، والأسوأ أنه ضل طريقه رافعاً شارات النصر على الشيطان الأكبر، فيما هذا الأخير يتبادل مع إيران الفعل المدان إياه الذي يجرمه "حزب الله" في لبنان! ذلك أن مسألة الفتنة والحرب الأهلية التي دأب الحزب بنمطيته المعهودة منذ "الأيام الخوالي"، أيام حظوته البائدة في عصر الوصايتين السورية والإيرانية المشتركة، وإلى سنوات مديدة بعد انسحاب قوات نظام بشار الأسد من لبنان، هذه الآفة المحببة لدى الحزب صار مثبتاً له قبل سواه أنها صارت من ماضٍ مسجل في تاريخه وليس أكثر، وأقيمت دونها اليوم وقائع ستجعل من شبه الاستحالة عليه مجرد استحضار أي من "تجارب العار"، ما دام الحزب يفرط في استعمال وصف العار ويسقطه على الاتفاق الإطاري والسلطة وخصومه بصفتهم "عملاء" لإسرائيل وأميركا والسعودية والإمارات.
ليس في الأمر سراً أن الفتنة لن تعود ما دام كل لبنان بكل قواه انتهى من أزمان الفتن وما دامت الحروب الداخلية لا تجد من يمجدها إلا المهوّل بها، كاشفاً عجزه وقصوره عن إعادة ماضٍ مشؤوم لن يعود.
حتى الحزب نفسه، في إمعانه في استنفاد خطاب العدائية والكراهية، تراه يكشف نفسه بأن آخر حروبه الراهنة سيستحيل عليه تكرارها بعد الآن، لأن لا قدراته الباقية ستسمح بحروب بعد الآن ولا ظروف التسويات الجارية مع راعيه الإيراني ستبقي على حروب، ولا لبنان الدولة والقوى السياسية والمجتمعية كافة ومن ضمنها معظم الطائفة المنكوبة بحروبه ستسمح بعد الآن بحروب الآخرين عبر الحزب...