الاحداث- كتب فيكتور الزمتر*
وفي الجولة الخامسة، توصَّلَ لبنان وإسرائيل، بوساطة الولايات المتحدة، إلى توقيع "اتفاق إطار Framework"، باكورتُه العمليةُ انسحابُ إسرائيل من "منطقتين تجريبيَّتين Pilot Zones". لقد باتَ المقصودُ معروفاً، بالمناطق التجريبية، لاختبار مدى قٌدرة الجيش اللُّبناني، على الإمساك بالأرض، بما يؤكِّدُ تمكُّن السلطةَ اللُّبنانية الرسمية، من بسط سيادتها عليها، نظيفةً من أيّ وُجودٍ مُسلَّحٍ غير شرعي، في إشارةٍ إلى قُوّات حزب الله.
دارت المُفاوضات على محور الانسحاب الإسرائيلي، مقابل الخلاص من البُنية العسكرية لحزب الله، مع التركيز على آلية الانسحاب الإسرائيلي، متبوعاً بانتشار الجيش اللُّبناني، وِفق تطبيق مبدأ "المناطق التجريبية". واتُفقَ على مُواكبة الأميركيين لمراحلَ التنفيذ، على أنْ يتمَّ تثبيتُ وقف إطلاق النار، وإنهاءُ المُواجهات العسكرية.
وكانت المفاوضاتُ قد لاقت عقباتٍ، بسبب إصرار إسرائيل على شمول المناطق التجريبية، مناطقَ غيرَ داخلةٍ ضمن المناطق المُحتلَّة، الأمرُ الذي استدعى معارضة الجانب اللُّبناني. واستدعى حلَّ هذا الكباش، حضورُ وزير الخارجية الأميركي، الذي اجترحَ الحلَّ من "التذاكي اللُّبناني"، على طريقة 6 و6 مكرّّر، مُرضياً كلّ جانبٍ، بمنطقة من شمال اللّيطاني، وبأُخرى من جنوبه.
ومع أنَّ هذا التوقيعَ، يُعتبر اختراقاً بمسار التفاوُض المُباشر، إلّا إنَّ الانسحابَ من منطقتين، لا يعني بالمُطلق، أنَّه ينسحبُ على الانسحاب التدريجي من باقي المناطق، ما لم تُنَفَّذْ إجراءاتٌ أمنيةٌ صارمةٌ، تتمسَّك بها إسرائيلُ، منعاً لعودة نشاط حزب الله إلى المناطق التجريبية. وكمن يتكارمُ من جيب غيره، تعتبرُ إسرائيلُ أنَّ هذا الإنسحابَ الرمزي، ما هو سوى مُبادرة حسن نيةٍ تجاه الحكومة اللُّبنانية، علماً أنَّه سبق لقيادة الجيش الإسرائيلي أنْ أعربت عن نيتها تخفيف عديد قواته في جنوب لبنان. مقابل ذلك، يُطالبُ لبنان بوضع جدولٍ زمنيٍّ لإنسحاب القُوّات الإسرائيلية حتى الحدود الدولية، بالرُّغم من توالي تصريحات قادة إسرائيل، برفض الانسحاب من الخط الأصفر.
وكان الوزيرُ "ماركو روبيو" صريحاً بالتعبير عن هذه الهواجس، بوصفه الاتفاق المُوقَّع يثمثِّلُ "بدايةَ البداية، على طريقٍ طويلٍ نحو السلام والإستقرار .. في مسار إعادة الأمن إلى البلدين". وبقدر ما يأملُ لبنان، أنْ يسترجعَ سيادتَه على كامل المناطق المُحتلة، من غير المُستبعد، من وُجهة النظر الإسرائيلية، أنْ يُعبِّدَ هذا الاتفاقُ الثُلاثي الطريقَ، إلى اتفاقٍ أشمل، بما يُفضي إلى اتفاق سلامٍ مع لبنان.
تدلُّ ردَّة فعل إسرائيل على توقيع "الاتفاق الإطار"، أنَّه نصرٌ كبيرٌ لها، كونه يسمح لقوّاتها بالبقاء طويلاً، في الأراضي اللُّبنانية المُحتلَّة، ما بقي حزبُ الله على سلاحه. ويُخشى من إدراك إسرائيل، رُبَّما، إلى الغموض المُتعلِّق بالجهة المُقرِّرة، بإعطاء "شهادة حُسن سلوكٍ" للسلطة اللُّبنانية، تأكيداً على إمساكها الجيد، بالمناطق التجريبية. كما بإمكان الإسرائيليين، تسجيلُ نقطةٍ في الملعب الإيراني، لجهة توقيع الاتفاق بمعزل عن المُفاوض الإيراني.
ولم يتأخَّر الرئيس جوزاف عون، عن توجيه الشكر للرئيس ترامب، على رعايته للإتفاق، الذي رأى فيه مدخلاً لعودة "شعب لبنان إلى أراضيه المُحرَّرة بالكامل .. تحت سيادة الدولة اللُّبنانية .. التي لا يُشاركُها أحدٌ بالسيادة على أرضها وشعبها"، غامزاً من قناة النفوذ الإيراني، عبر حزب الله. وهذا دليلٌ جديدٌ يؤكِّدُ عزمَ الرئيس عون، على السير بمسار التفاوض، غير آبهٍ بالعقبات، من أيَّة جهةٍ أتت.
وفي هذا السياق، شهدت بعضُ أحياء بيروت، مظاهراتٍ لحزب الله وأنصاره، رفعوا شعاراتٍ تُردِّدُ: "الشعبُ يُريدُ إسقاط النظام". إلى ذلك، صنَّفَ النائب حسن فضل الله بالمجرم، كلَّ من يُصافح الإسرائيلي.
وبانتظار تشريح نصّ "اتفاق الإطار"، في ما له وما عليه، لا بُدَّ من التوقُّف عند "بيت القصيد"، الوارد في متنه، لجهة ربط الإنسحاب الإسرائيلي، عُضوياً، بتجريد حزب الله من سلاحه. فلبنانُ، المُخيَّرُ بين الإنتحار أو "رصاصة الرحمة"، غامرَ بكُلِّ أوراقه، مُراهناً على الدعم الأميركي، "مُرغماً أخاك لا بطل"، عسى أنْ تكونَ المُراهنةُ بمحلِّها، ولو لمرَّةٍ واحدةٍ.
ويبقى التوجُّسُ من الجانب الإسرائيلي، المعروف بشِراكه الخبيثة وتلاعُبه بنصوص الإتفاقات، هذا إنْ صرفَ النظرَ عن رهانه، على قتالٍ لبنانيٍّ لبناني. وهنا يستحضرُني تصريحان لصحافيين إسرائيليين لافتين، أحدُهما مُقدِّمُ برنامجٍ على القناة 13 الإسرائيلية، والأخرُ مراسلٌ عسكريٌّ، يلتقيان على القول، بأنَّ "الهدفَ الإسرائيلي، مُنذ البداية، هو إغراقُ لبنان بحربٍ أهليةٍ، تنتهي بتقسيم البلاد
*سفير سابق