الاحداث- كتبت باتريسيا جلاد في صحيفة نداء الوطن:"شكّلت بواخر إنتاج الكهرباء التركية واحدة من أكثر تجارب قطاع الطاقة إثارة للجدل في لبنان. فمنذ وصول «فاطمة غول سلطان» ثم «أورهان باي»، طُرحت البواخر كحل سريع ومؤقت لسد جزء من العجز في الإنتاج. لكن الحل المؤقت امتد نحو ثماني سنوات، ما يطرح سؤالاً أساسياً: ماذا كان لبنان يدفع فعلياً مقابل كهرباء البواخر، وهل كان هذا الخيار اقتصادياً مقارنة ببناء معامل دائمة؟
أعاد قرار وزارة الطاقة اجراء تدقيق جنائي في عقود بواخر الكهرباء، تسليط الضوء على هذا الملف الذي أثار الكثير من اللغط والشكوك لدى اللبنانيين منذ سنوات. واذا كان البعض يدّعي اليوم، أن عقد البواخر لم يكن عقد استئجار، بل عقداً لشراء الطاقة المنتجة منها. ويُستخدم هذا التوصيف في الدفاع عن المشروع والتركيز على السعر المدفوع للشركة التركية Karpowership عن كل كيلواط/ساعة منتج، فان الوقائع والارقام تثبت زيف هذه الادعاءات، والتي تهدف الى التضليل ليس إلا.
ومن الفيد التوضيح، أن وصف العقد بأنه «شراء طاقة» لا يعني أن السعر المدفوع للشركة كان يمثل الكلفة الكاملة لإنتاج تلك الكهرباء. فالوقائع المالية والتشغيلية تفرض الفصل بين بندين: المبالغ المدفوعة إلى Karpowership لقاء توفير البواخر وتشغيلها وإنتاج الطاقة، من جهة، وكلفة الفيول لتشغيلها، من جهة أخرى، والذي كان يؤمَّن على نفقة الجانب اللبناني.
جزء من الوقود كان يؤمَّن ضمن عقود الدولة لاستيراد الفيول، وبينها العقد مع «سوناطراك» الجزائرية. وفي عام 2018، مثلاً، خُصصت اعتمادات لشراء نحو 100 ألف طن من الفيول لتغذية معامل كهرباء لبنان والبواخر التركية معاً.
وتظهر حادثة تعود إلى عام 2013 هذا الفصل بوضوح. فقد ارتبط توقف «فاطمة غول» بخلاف حول مواصفات الفيول المورّد من «سوناطراك» عبر المتعهد BB Energy ومدى ملاءمته لمحركات الباخرة. وبالتالي، فإن تقييم الكلفة الحقيقية لكهرباء البواخر لا يمكن أن يقتصر على المبالغ المدفوعة للشركة التركية، بل يجب أن يضيف إليها كلفة الوقود الذي تحملته الدولة.
5.85 سنت لم تكن الكلفة النهائية
عند تمديد العقد عام 2016، تحدثت مؤسسة كهرباء لبنان عن خفض سعر الطاقة المنتجة من البواخر إلى نحو 5.85 سنت أميركي للكيلواط/ساعة، مقارنة بنحو 5.95 سنت سابقاً.
لكن مقارنة هذا السعر مباشرة بكلفة إنتاج الكهرباء في أي معمل آخر ستكون مضللة من دون احتساب الفيول. وحتى Karpowership أشارت في توضيح نشر عام 2015 إلى أن الكلفة الإجمالية، في ظل أسعار الوقود آنذاك، كانت أقل من نحو 14 سنتاً للكيلواط/ساعة، وأن الفيول المستورد يشكل العنصر الأكبر في الكلفة. أي أن الرقم الذي كان يُعرض باعتباره سعر كهرباء البواخر لم يكن وحده يعكس العبء الفعلي على الخزينة.
1.5 مليار دولار… والفيول فوقها
بحسب تحقيق نُشر عام 2021، تجاوزت المدفوعات المرتبطة بشراء الكهرباء عبر البواخر منذ عقد 2013 نحو 1.5 مليار دولار، من دون احتساب كلفة الفيول الذي وفره الجانب اللبناني.
وهذه نقطة مركزية في تقييم التجربة. فإذا كانت كلفة الوقود منفصلة عن المبالغ المدفوعة إلى Karpowership، فإن الاستناد إلى قيمة العقد وحدها لتحديد كلفة كهرباء البواخر يعطي صورة ناقصة.
والدليل على الدور الحاسم للوقود أن الباخرتين كانتا متوقفتين عن الإنتاج قبل انتهاء عقدهما عام 2021 بسبب عدم توفر الفيول، ما يؤكد أن استمرار إنتاجهما كان مرتبطاً مباشرة بقدرة الدولة على تمويل الوقود وتأمينه.
هل كان بناء معمل أوفر؟
المقارنة تحتاج إلى الحذر. فالبواخر توفر قدرة إنتاجية بسرعة ومن دون انتظار سنوات لبناء معمل، ولذلك يمكن أن تكون مبررة اقتصادياً كحل انتقالي قصير الأجل. لكن المشكلة اللبنانية أن «الحل المؤقت» استمر قرابة ثماني سنوات.
ولا يمكن مقارنة كلفة إنشاء معمل بقدرة 400 أو 500 ميغاواط مباشرة بمبلغ الـ1.5 مليار دولار، لأن المعمل يحتاج بدوره إلى الوقود والتشغيل والصيانة والتمويل. لكن ثمة فارقاً اقتصادياً أساسياً: المدفوعات لقاء الطاقة المنتجة من البواخر لا تترك، عند انتهاء العقد، أصلاً إنتاجياً مملوكاً للدولة، بينما يبقى المعمل جزءاً من البنية التحتية الوطنية وقابلاً للتشغيل لعقود.
لذلك فإن السؤال الأدق ليس ما إذا كانت البواخر أغلى أو أرخص في سنواتها الأولى، بل ما إذا كان من المجدي إبقاء حل انتقالي لثماني سنوات بدلاً من استخدام تلك الفترة لبناء قدرة إنتاجية دائمة.
وتكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية اليوم. ففي آب 2026 أطلقت وزارة الطاقة مسار تدقيق جنائي في عقود بواخر Karpowership وصفقات الفيول المرتبطة بها، ولا سيما للفترة 2012–2017.
وقد يحسم التدقيق الكثير من الأرقام والمسؤوليات. لكنه يعيد منذ الآن طرح السؤال الذي اختفى خلف الجدل حول تسمية العقد: كم بلغت الكلفة الحقيقية لكل كيلواط/ساعة أنتجته البواخر بعد إضافة الفيول، وماذا كان يمكن أن يمتلك لبنان اليوم لو استُخدم الحل المؤقت جسراً نحو معامل دائمة بدلاً من أن يتحول إلى سياسة استمرت ثماني سنوات؟