الاحداث- كتب فارس خشان في صحيفة النهار:"في السياسة الإسرائيلية، لا يبدو نفي وجود الإيرانيين داخل أنفاق مرتفعات علي الطاهر تفصيلاً عسكرياً عابراً.
فقد أصرّت إسرائيل، بعد إعلان سيطرتها العملياتية على الموقع وتطهيره، على القول إن قواتها لم تجد ضباطاً أو مستشارين إيرانيين داخل الأنفاق، في وقت نقلت فيه وكالة «رويترز» عن ثلاثة مسؤولين أن أكثر من عشرة من عناصر الحرس الثوري الإيراني، بينهم ضابطان كبيران، كانوا في الموقع إلى جانب مقاتلي حزب الله. ولا توجد حتى الآن أدلة مستقلة تحسم الروايتين. لكن أهمية المسألة لا تكمن فقط في معرفة من كان داخل الأنفاق، بل في فهم الدلالة السياسية للإصرار الإسرائيلي على نفي الوجود الإيراني.
طهران كانت قد حذرت، وفق ما نقلته «رويترز»، من أن استهداف عناصرها في علي الطاهر أو تنفيذ عملية إسرائيلية واسعة على الموقع سيستدعي رداً مباشراً. وعندما تؤكد إسرائيل أنها لم تجد إيرانيين في الأنفاق، فهي تنزع عملياً أحد أهم المبررات التي يمكن أن تستخدمها طهران لتنفيذ تهديدها. فقتل مقاتلي "حزب الله" يبقى، في الحسابات الإسرائيلية، ضمن المواجهة مع الجبهة اللبنانية، أما قتل ضبّاط إيرانيين فينقل المواجهة إلى مستوى مختلف تماماً.
ومن هذه الزاوية، يبدو النفي الإسرائيلي جزءاً من إدارة التصعيد بقدر ما هو رواية عسكرية. فإسرائيل تضرب موقعاً استراتيجياً تابعاً لـ"حزب الله"، لكنها تحاول إبقاء الضربة تحت سقف لا يحوّلها إلى مواجهة مباشرة مع إيران. ولا توجد أدلة علنية على صفقة إسرائيلية ــ إيرانية بشأن علي الطاهر، لكن نقل التحذير الإيراني إلى واشنطن عبر سلطنة عُمان يؤكد أن قنوات غير مباشرة كانت مفتوحة حول القضية، ما يجعل احتمال وجود اتصالات خلفية لاحتواء التصعيد أمراً وارداً، من دون أن يرقى ذلك إلى دليل على تفاهم محدّد.
لكن للنفي الإسرائيلي وظيفة أخرى؛ فهو يضع "حزب الله" أمام حقيقة أكثر قسوة: إيران قد تكون حاضرة في بناء قدراته وتسليحه وتوجيهه، لكنها لا تتحرك بالضرورة عسكرياً كلما تعرض أحد مواقع الحزب لضربة. وهذا بالضبط ما يجعل الموقع اختباراً لمصداقية «محور المقاومة». فإيران تعمل، وفق تقديرات إسرائيلية وأميركية، على إعادة بناء شبكة حلفائها بعد الضربات التي تعرّضت لها. وتظهر مؤشرات على استئناف التنسيق بين "حماس" و"حزب الله"، وعلى اتصالات بين فيلق القدس وحلفاء طهران في لبنان والعراقواليمن، بالتوازي مع محاولات استعادة القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
المعركة إذن ليست على علي الطاهر وحده، بل على الوقت؛ إيران تريد إعادة بناء هذه المنظومة قبل أن تستغلّ إسرائيل والولايات المتحدة حالة الضعف التي تمر بها، بينما تحاول إسرائيل ضرب البنية التي بنتها طهران عبر حلفائها قبل أن تستعيد تماسكها وقدرتها على العمل المنسّق من عدة جبهات.
التهديد الإسرائيلي والضغط الأميركي المتزايد على إيران، ترى المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية أنه بدأ ينعكس على الوضع الاقتصادي والسياسي داخل النظام. ويعتقد مسؤولون إسرائيليون أن الأزمة الاقتصادية والخوف من اضطرابات داخلية قد يدفعان طهران إلى خيارات أكثر خطورة.
وفي المقابل، رفع وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس سقف التحذير، متوعداً بأن أي هجوم إيراني على إسرائيل سيؤدي إلى رد واسع، بما في ذلك استهداف البنية التحتية وقطاع الطاقة. وهنا تظهر المفارقة التي تحكم السياسة الإسرائيلية الحالية: إسرائيل تريد إضعاف إيران من دون دفعها إلى الرد، لكنها تريد في الوقت نفسه أن تعرف أن أي رد سيكلفها ثمناً باهظاً.
بعبارة أخرى، تحاول إسرائيل ضرب الوكيل من دون أن تعطي الراعي سبباً واضحاً للدخول في الحرب، وفي الوقت نفسه تبني مسبقاً معادلة ردع تقول لطهران إن انتقالها من الدعم غير المباشر إلى الهجوم المباشر سيغيّر قواعد اللعبة بالكامل.
ولهذا لا تبدو تصريحات كاتس منفصلة عن احتمال عودة المواجهة مع إيران. فالنقاش الإسرائيلي يتناول مستقبل البرنامج النووي، وإعادة إنتاج الصواريخ الباليستية، واستعادة أجهزة الطرد المركزي، وقدرة طهران على إعادة بناء شبكة حلفائها.
إذا انتهت المواجهة الأميركية ــ الإيرانية باتفاق يسمح لطهران بالاحتفاظ بجزء من قدراتها، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام معضلة أكبر: توقف الضغط العسكري المباشر من دون زوال ما تعتبره مصادر تهديد وجودي. عندها يصبح تحديد «الخط الأحمر» أكثر أهمية من إطلاق التهديدات؛ متى تصبح القدرات النووية الإيرانية أو الصاروخية أو الإقليمية غير قابلة للاحتواء؟
وبناءً على ذلك، لا توجد معطيات كافية للجزم بأن إسرائيل تسعى إلى دفع إيران نحو حرب جديدة، كما لا توجد أدلة تثبت وجود تفاهم سرّي يمنعها من الرد. لكن المؤكد أن علي الطاهر وضع الطرفين أمام اختبار دقيق: إسرائيل تريد مواصلة الضغط على البنية التي بنتها إيران عبر حلفائها، من دون فتح مواجهة مباشرة مع طهران؛ وإيران تريد الحفاظ على نفوذها الإقليمي من دون تحمّل كلفة حرب جديدة.
لذلك قد لا تكون أهمية علي الطاهر في ما حدث داخله، بقدر ما تكمن في ما سيحدث بعده. فالرد الإيراني، أو الامتناع عنه، سيكون بحد ذاته رسالة عن حدود المواجهة المقبلة.