الاحداث- كتب أنطوان العويط
ليست المشكلة في لبنان أنّه يفتقد الحلول، بل أنّه يقف على أعتاب زمن جديد بعقل لا يزال ينتمي إلى زمن مضى. فالعالم الذي يتشكّل من حولنا لم يعد يشبه العصر الذي وُلدت فيه معظم أزماتنا، ولا المنطقة التي عاشت لعقود على وقع الحروب والمحاور والسرديات الكبرى. لقد تبدّلت الأولويات، وتغيّرت موازين القوة، وأصبحت الدولة، أكثر من أي إطار آخر، الوحدة الأساسية التي تُبنى عليها العلاقات الإقليمية والدولية.
من يراقب التحولات الجارية في الشرق الأوسط يلاحظ أنّ المنطقة، للمرّة الأولى منذ عقود، تعيد بناء نفسها على قاعدة مختلفة. فالاقتصاد يتقدّم على الأيديولوجيا، والاستقرار على المغامرة، والتنمية على الشعارات، والمؤسسات على الأشخاص. حتى الدول التي خاضت حروبًا طويلة باتت تقيس قوتها بحجم استثماراتها، وقدرتها على الابتكار، وجاذبية اقتصاداتها، لا بعدد الجبهات التي تستطيع فتحها.
أما لبنان، فما زال يتعامل مع هذا التبدّل وكأنه تفصيل عابر، فيما هو، في الحقيقة، إعلان عن نهاية مرحلة تاريخية كاملة.
لقد عاش اللبنانيون سنوات طويلة على فكرة أنّ ضعف الدولة يمكن أن يُعوَّض بتوازنات داخلية، أو برعاية خارجية، أو بوصايات وصولًا إلى الاحتلال، أو بمعادلات فرضتها ظروف استثنائية. وربما نجحت هذه المنظومات في تأجيل الانفجار أكثر من مرة، أو في تأجيجه، لكنها لم تنجح يومًا في بناء دولة. واليوم، يبدو أن مدى التسويات التي تؤجّل الأزمات يقترب من نهايته، لتبدأ مرحلة مختلفة عنوانها الوحيد هو: قيام الدولة أو استمرار الانهيار.
غير أنّ هذا المسار يصطدم بثلاثة عوائق كبرى.
أولها الاحتلال الإسرائيلي، الذي يبقى انتهاكًا مباشرًا للسيادة الوطنية، ويحول دون اكتمال سلطة الدولة على كامل أراضيها. فلا يمكن مطالبة أي دولة بأن تتحمّل مسؤولياتها كاملة، فيما جزء من أرضها لا يزال محتلاً، وفيما الاعتداءات الإسرائيلية تبقى تهديدًا دائمًا للاستقرار. إنّ تحرير الأرض ليس مطلبًا سياسيًا لفريق، بل شرط بديهي لاستكمال بناء الدولة.
العائق الثاني هو استمرار السلاح خارج إطار الشرعية. قد تختلف القراءات السياسية، وقد تتعدّد المبرّرات التي رافقت نشوء هذا الواقع، لكن التجربة الممتدة على مدى سنوات أثبتت، من جهة، فشل هذه المقاربة، ومن جهة ثانية، أنّ ازدواجية القرار الأمني والعسكري هي النقيض لقيام دولة حديثة. فجوهر الدولة ليس فقط امتلاك القوة، بل احتكار الاستخدام المشروع لها، بحيث يصبح قرار الحرب والسلم وطنيًا، ويصدر عن المؤسسات الدستورية وحدها. وهذه ليست مسألة تستهدف أحدًا، بل هي من أبسط شروط الدولة الحديثة.
لكن العائق الأخطر يبقى ذلك الذي لا يُرى بالعين المجرّدة، ويتمثّل في الذهنية السياسية التي لا تزال أسيرة القرن الماضي. ففي الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن الذكاء الاصطناعي، والثورة الرقمية، والاقتصاد الأخضر، والممرات التجارية، والأمن السيبراني، لا يزال جزء من الحياة السياسية اللبنانية يدور في حلقة الانقسامات التقليدية، والمحاصصة، والغلبة، واستدعاء معارك انتهت منذ زمن. وكأنّ السياسة عندنا لم تسمع أنّ العالم تغيّر.
ليست المشكلة في أعمار السياسيين، بل في أعمار الأفكار. فالأفكار، مثل الأنظمة، تشيخ. وحين تشيخ، تصبح عاجزة عن إنتاج المستقبل. وما يعطّل قيام الدولة في لبنان ليس فقط تضارب المصالح والارتهان للخارج، بل استمرار إدارة الحاضر بعقل صُمّم لزمن آخر، وظروف أخرى، وصراعات لم تعد هي التي تحكم العالم.
إنّ أخطر ما يمكن أن يفعله شعب هو أن يظن أنّ التاريخ ينتظره. وفي الواقع، هو لا ينتظر أحدًا، بل يمضي مع الذين يعرفون كيف يلتقطون لحظة التحوّل. والمنطقة اليوم تعيش واحدة من أكبر مفترقات إعادة التشكّل منذ عقود. وكل المؤشرات تدلّ على أنّ العالمين العربي والدولي يربطان أي شراكة حقيقية مع لبنان بقيام دولة قادرة على احتكار القرار، وتنفيذ القانون، وإصلاح مؤسساتها، وحماية حدودها.
ولعلّها المرّة الأولى التي تتقاطع فيها ملفات السيادة، والإصلاح، والاقتصاد، والأمن عند نقطة واحدة هي هذه المرحلة. فلا إعمار من دون إصلاح، ولا إصلاح من دون مؤسسات، ولا مؤسسات من دون قرار واحد، ولا قرار واحد ما دامت الدولة ليست المرجعية الوحيدة.
إنّ تحرير الأرض، وحصر السلاح بيد الدولة، وتحديث العقل السياسي، ليست مشاريع متنافسة، بل هي حلقات في مشروع وطني واحد. والخطأ الكبير هو التعامل مع أيّ واحد منها وكأنه يغني عن الآخر. فلا السيادة تكتمل من دون دولة، ولا الدولة تقوم بسيادة منقوصة، ولا الاثنان يكتبان مستقبلًا إذا بقي العقل السياسي أسير منطق الغلبة والمحاصصة والولاءات الضيقة.
لهذا، فإنّ السؤال الحقيقي الذي يواجه اللبنانيين اليوم ليس: من سيربح الجولة المقبلة؟ بل: هل نريد فعلًا أن نؤسّس لدولة، أم أننا ما زلنا نبحث عن صيغة جديدة لإدارة غيابها؟
قد تكون هذه الفرصة هي الأخيرة، ليس لأنّ التاريخ سيتوقّف بعدها، بل لأنّ الظروف التي أتاحتها قد لا تتكرّر. فالتحولات الكبرى لا تمنح الدول فرصًا مفتوحة، بل تضعها أمام امتحانات مصيرية. ومن ينجح في الامتحان يصبح جزءًا من المستقبل، ومن يفشل يتحوّل إلى هامش في تاريخ يصنعه الآخرون.
لقد أثبت اللبنانيون، مرارًا، أنّهم قادرون على الصمود. لكنّ الحقبة التي نعيشها لم تعد تقدّر الصمود وحده، بل تكافئ القدرة على التغيير. وهذه هي المعركة الحقيقية التي تنتظر لبنان: ليس أن ينجو من أزمة جديدة، بل أن يولد أخيرًا بوصفه دولة.
فحين لم يعد العالم يعترف إلا بالدولة، يصبح كل تأخير في بنائها تأخيرًا في الاعتراف بلبنان نفسه.