الاحداث - كتبت ليلى خوري
في بلدٍ تتداخل فيه الجغرافيا بالديموغرافيا، وتشكّل فيه الأرض جزءاً من الهوية والتاريخ والحضور، لم تعد الصفقات العقارية الكبرى في بعض المناطق اللبنانية مجرّد عمليات بيع وشراء، بل باتت تثير تساؤلات حول مستقبل البلدات وتركيبتها السكانية، ولا سيّما في ظلّ الهجرة المتزايدة التي تدفع كثيراً من اللبنانيين، وخصوصاً الشباب المسيحي، إلى مغادرة قراهم بحثاً عن لقمة العيش.
من سلعاتا، حيث يُتداول خبر شراء قصر بملايين الدولارات، إلى مدينة البترون ومحيطها، حيث تتردّد معلومات عن صفقات عقارية أخرى بمبالغ مرتفعة، يبرز سؤال يتجاوز هوية المشتري والبائع: هل نحن أمام استثمارات عقارية فردية، أم أمام تحوّلات متراكمة تستدعي التوقف عند انعكاساتها الديموغرافية والاجتماعية، في وقت يخشى فيه أبناء هذه المناطق أن يخسروا قدرتهم على البقاء في أرضهم والحفاظ على حضورهم التاريخي؟
سلعاتا: صفقة عقارية تفتح باب التساؤلات
بحسب معلومات متداولة، اشترى شخص من بلدة تول الجنوبية قصراً في بلدة سلعاتا الساحلية من مالك يُدعى طوني أبي كرم، من المتن، لقاء مبلغ قيل إنّه يبلغ ثلاثة ملايين ونصف مليون دولار. ويتميّز العقار، وفق المعلومات نفسها، بموقعه المطلّ على البحر وبإشرافه على محيط مطار حامات، ما يطرح تساؤلات إضافية حول طبيعة الموقع وأهميته.
وبانتظار التثبّت من تفاصيل الصفقة وهوية المشتري والسعر النهائي، فإنّ القضية تتجاوز حدود عقار واحد، لتفتح النقاش حول حركة التملّك العقاري في منطقة البترون، وما يُتداول عن انتقال ملكية عقارات أخرى إلى مشترين من الطائفة الشيعية، وبمبالغ مالية مرتفعة.
فهل تمثّل صفقة سلعاتا حالة فردية تحكمها اعتبارات استثمارية، أم أنّها جزء من حركة عقارية أوسع تستحقّ الدراسة والتدقيق؟ الإجابة تتطلّب معلومات موثّقة عن حجم الصفقات وتوزّعها الجغرافي واتجاهاتها، بعيداً عن الاكتفاء بالمعلومات المتناقلة.
من سلعاتا إلى البترون: هل تتغيّر خريطة التملّك العقاري؟
لا ينبغي النظر إلى ما يُثار حول سلعاتا بمعزل عن مدينة البترون والبلدات المحيطة بها، حيث تتردّد معلومات عن عمليات بيع وشراء لعقارات بمبالغ كبيرة. فالتساؤلات المطروحة لا تتعلّق بصفقة بعينها، بل بمدى تأثير تراكم هذه العمليات في التركيبة السكانية والاجتماعية للمنطقة على المدى الطويل.
إنّ رصد هذه التحوّلات يحتاج إلى دراسة حركة انتقال الملكية العقارية، ومقارنة أعداد الصفقات وقيمتها وتوزّعها الجغرافي على مدى سنوات، إلى جانب متابعة التغيّرات السكانية ومعدلات الهجرة. فمن دون هذه المعطيات، يصعب تحديد ما إذا كانت المنطقة تشهد تحوّلاً ديموغرافياً فعلياً، أو أنّ ما يحصل يندرج في إطار عمليات استثمارية فردية.
وفي المقابل، فإنّ من حقّ أبناء المنطقة طرح الأسئلة حول مستقبل بلداتهم، والمطالبة بالشفافية في كلّ ما يتعلّق بالتحوّلات العمرانية والسكانية التي قد تؤثّر في مجتمعاتهم المحلية.
المفارقة: أبناء البلدات يهاجرون والعقارات تُباع بملايين الدولارات
تكمن المفارقة في أنّ عدداً من أبناء البلدات المسيحية يجدون أنفسهم أمام خيارات صعبة، بين البقاء في أرضهم في ظلّ تراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، أو الهجرة بحثاً عن مستقبل أكثر استقراراً لهم ولأبنائهم.
وفي المقابل، تُطرح صفقات عقارية بمبالغ تصل إلى ملايين الدولارات، ما يثير تساؤلات حول الفجوة المتزايدة بين القدرة المالية للمستثمرين وقدرة أبناء المنطقة، ولا سيّما الشباب، على شراء منزل أو الاحتفاظ بأملاك عائلاتهم.
ومع ارتفاع أسعار العقارات وتراجع القدرة الشرائية، قد يصبح امتلاك منزل في البلدة التي وُلد فيها الإنسان حلماً بعيد المنال بالنسبة إلى أبنائها، فيما تتحوّل هذه العقارات إلى فرص استثمارية متاحة لمن يمتلكون القدرة المالية اللازمة.
ولا يعني ذلك أنّ كلّ عملية بيع تؤدي حكماً إلى تغيير ديموغرافي، أو أنّ كلّ مالك يبيع عقاره يفعل ذلك تحت الضغط. لكنّ استمرار الهجرة وتراجع القدرة الشرائية وتراكم عمليات انتقال الملكية عوامل تستحقّ دراسة جدّية لمعرفة انعكاساتها على استمرارية المجتمعات المحلية.
هل تتحوّل الأزمة الاقتصادية إلى عامل تغيير ديموغرافي؟
إنّ أخطر ما يمكن أن تواجهه البلدات المسيحية ليس مجرّد انتقال ملكية منزل أو قصر، بل تراجع قدرة أبنائها على البقاء فيها نتيجة غياب فرص العمل والاستثمار والخدمات الأساسية.
فعندما يهاجر الشباب، تتراجع الحيوية الاقتصادية والاجتماعية، وتضعف فرص تأسيس العائلات الجديدة، وتصبح بعض المنازل والأراضي أكثر عرضة للبيع. ومع مرور الوقت، قد تتغيّر ملامح البلدة تدريجياً بفعل تراكم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية.
من هنا، لا يجوز اختزال ملف التغيير الديموغرافي بهوية المشترين وحدها، بل ينبغي النظر إلى مجمل العوامل التي تتحكّم بحركة السكان والملكية. وفي الوقت نفسه، لا يصحّ تجاهل مخاوف أبناء بعض المناطق بشأن مستقبل بلداتهم، بل المطلوب إخضاع هذه المخاوف للبحث والتدقيق استناداً إلى الوقائع والأرقام.
من يحمي حقّ أبناء البترون وسلعاتا في البقاء؟
إنّ الحفاظ على الوجود المسيحي في البترون وسلعاتا وسائر البلدات اللبنانية لا يتحقّق بالشعارات وحدها، ولا بإثارة المواجهة بين الطوائف، بل يبدأ بتأمين الظروف التي تسمح لأبناء هذه المناطق بالبقاء في أرضهم.
ويتطلّب ذلك خلق فرص عمل، ودعم المؤسسات الصغيرة، وتشجيع الاستثمارات المنتجة، وتحسين الخدمات العامة، وتوفير حوافز اقتصادية وإسكانية للشباب، إلى جانب تشجيع المغتربين اللبنانيين، ولا سيّما أبناء المنطقة، على الاستثمار في بلداتهم بما يساهم في تحريك الاقتصاد المحلي والحفاظ على حيوية المجتمع.
كما أنّ من حقّ أبناء هذه البلدات المطالبة بمعلومات واضحة عن التحوّلات العقارية التي تشهدها مناطقهم، وبأن تتولّى الجهات المختصة دراسة أي انعكاسات محتملة على التخطيط العمراني والواقع السكاني، ضمن الأطر القانونية التي تضمن المساواة بين المواطنين.
وإذا كانت بعض العقارات تقع في محيط منشآت ذات أهمية استراتيجية، فإنّ أي هواجس أمنية مرتبطة بمواقعها يجب أن تُبحث لدى الجهات المختصة، استناداً إلى طبيعة العقار واستخدامه والقوانين النافذة، لا إلى طائفة مالكه.
القضية ليست طائفية بل قضية استمرارية وهوية
إنّ القلق على الوجود المسيحي في لبنان يرتبط بتاريخ طويل من الحضور الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، وبالخوف من أن تؤدي الهجرة المستمرة إلى إفراغ بعض البلدات من أجيالها الشابة. وهذا القلق يستحقّ المعالجة الجدية، بعيداً عن التهويل أو الاتهامات غير المثبتة.
لكنّ حماية هذا الوجود لا يمكن أن تقوم على اعتبار مواطن لبناني أقلّ حقاً في التملّك بسبب طائفته، كما لا يمكن أن تتحقّق عبر تجاهل الظروف التي تدفع أبناء البلدات إلى بيع أملاكهم ومغادرة مناطقهم.
فالمطلوب هو التوفيق بين حقّ كلّ مواطن في التملّك، وحقّ المجتمعات المحلية في الحفاظ على استمراريتها، وواجب الدولة في ضمان التنمية المتوازنة وتأمين الظروف التي تسمح لكلّ منطقة بالحفاظ على حيويتها الاجتماعية والاقتصادية.
فالقضية لا تتعلّق بقصر في سلعاتا وحده، بل بمستقبل منطقة كاملة. وإذا كانت المعلومات المتداولة عن الصفقات العقارية في البترون ومحيطها تستحقّ المتابعة، فإنّ الخطوة الأولى يجب أن تكون التحقّق من حجم هذه الصفقات واتجاهاتها، وتقييم أثرها الفعلي في التركيبة السكانية، بعيداً عن الأحكام المسبقة.
فالأرض ليست مجرّد مساحة تُقاس بالأمتار أو تُباع بملايين الدولارات؛ إنّها أيضاً ذاكرة أهلها وتاريخهم ومستقبل أبنائهم. وحماية هذا الإرث تبدأ بحماية الإنسان وتأمين حقّه في العيش الكريم في بلدته، قبل أن يجد نفسه مضطراً إلى الرحيل بحثاً عن لقمة العيش.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على الدولة والمسؤولين والفعاليات المحلية: هل تتحوّل سلعاتا إلى مدخل لدراسة واقع التملّك العقاري في البترون ومحيطها، ووضع سياسات تحمي استمرارية البلدات اللبنانية وتنوّعها، أم تبقى هذه الهواجس مجرّد سجال يتجدّد مع كلّ صفقة عقارية جديدة؟