الاحداث- كتب ألان سركيس في صحيفة نداء الوطن:"تسيطر الضبابية على الوضع الجنوبي، وتتضارب التصريحات الأميركية والإسرائيلية، وتبقى الحقيقة الوحيدة تقدّم الجيش الإسرائيلي باتجاه احتلال مواقع عدّة في النبطية، وتراجع "حزب الله" على الأرض.
سقطت نظرية "حزب الله" بشأن قدرته على مواجهة إسرائيل برّيا، وأثبت واقع الميدان أن كل تلك النظريات لا أساس لها من الصحة. وبعد كل ما حصل، بات من الضروري القيام بفعل إنقاذ سريع.
بانتظار ما ستؤول إليه المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية والأميركية – الإيرانية، يبقى الواقع الجنوبي معلّقًا. حتى إيران، التي تقاتل من أجل الاحتفاظ بالورقة اللبنانية، وضعت كل ثقلها الإعلامي والبروباغندا من أجل تحييد الضاحية الجنوبية لبيروت، وكأن الجنوب، الذي يقاتل فيه "حزب الله" من أجلها، غير موجود على الخريطة ولا يهمّها.
وإذا تعمّقنا أكثر في خريطة الانتشار الإسرائيلي في الجنوب، نرى أن إسرائيل احتلّت الجزء الأكبر من أقضية بنت جبيل ومرجعيون والنبطية، وأجزاء من قضاء صور، في حين لا يوجد الإسرائيليون في مدينة صور.
وتشير المعلومات إلى أنه، بعد نجاح رئيس الجمهورية جوزاف عون، وليس إيران، في تحييد العاصمة بيروت والضاحية، بدأ أبناء الجنوب يشعرون بالمرارة من ترك طهران لهم وحدهم. وعندما وصل القصف والتهجير إلى أقضية صور والزهراني وصيدا، اشتدّ ضغط مناصري حركة "أمل" والطائفة الشيعية، فالأغلبية في هذه الأقضية تناصر الرئيس نبيه برّي، في حين وضع برّي كل ثقله الإنمائي والسياسي والاستثماري في الخط الساحلي الممتد من صور إلى صيدا، مرورا بقرى الزهراني.
وتؤكد معلومات "نداء الوطن" أن برّي تواصل مع واشنطن لتحييد هذه المنطقة، وجرى لقاء مع السفير الأميركي ميشال عيسى. وحاول برّي الحدّ من الخسائر التي تلحق بأهل الجنوب، إذ يكفي فقدان أقضية بنت جبيل ومرجعيون والنبطية. ورفع برّي منسوب تحرّكه، وزار معاونه السياسي علي حسن خليل السعودية من أجل إنقاذ الموقف، وتواصل مع القطريين وعدد من الدول الفاعلة، خصوصًا مع اشتداد ضغط البيئة الشيعية عليه، وارتفاع أصوات شيعية من حركة "أمل" ومستقلّين ضد أخذ الشيعة إلى الانتحار.
ويُعتبر الوصف الذي أطلقه وزير المال ياسين جابر خلال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، ومفاده أن ما حلّ بالجنوب نكبة، أصدق توصيف للحالة التي يعيشها كل جنوبي وشيعي، رغم مكابرة "حزب الله". وأمام سوداوية الوضع الجنوبي، وبالتوازي مع اتصالات الدولة اللبنانية بواشنطن والرياض والدوحة من أجل تحييد ما أمكن تحييده من مناطق لبنانية، يبدو أن الأمر نجح. وتتحدّث المعلومات عن أن برّي أعطى وعدًا للأميركيين بتسهيل المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، وعدم عرقلتها، والتحدّث مع "حزب الله"، مقابل تحييد مدينة صور والزهراني وصيدا. وبالفعل، خفّت وتيرة العمليات والاستهدافات في تلك المناطق، في حين خفّف برّي من وتيرة انتقاداته للمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، واقتصر الاعتراض على الشكليات، فيما تتعزّز خطوط التواصل بين عين التينة وواشنطن.
وإذا كان الرئيس برّي يعمل على رأب الصدع داخل "الثنائي الشيعي"، فإن الوضع على الأرض محتقن، فأغلبية جمهور "أمل" والجنوبيين يرفعون الصوت في وجه ممارسات "الحزب" وتدميره الجنوب خدمة لمصالح إيران، في حين يضع برّي مجموعة أولويات، هي وقف إطلاق النار وعودة النازحين وتحرير الأرض، لكن الأولوية تبقى لوقف الحرب. وبذلك، تختلف أجندة برّي عن أجندة "حزب الله"، خصوصًا أن رئيس المجلس مهدّد بشكل جدّي بالعقوبات الأميركية، رغم مراعاة الأميركيين لوضعيته.
نجحت الدولة اللبنانية في تحييد العاصمة بيروت والضاحية، وحاولت إيران الإيحاء بأنها هي من جلبت وقف إطلاق النار، ويجري التركيز في المفاوضات على المناطق التجريبية. ووسط الرفض الإسرائيلي لاتخاذ النبطية منطقة تجريبية خالية من السلاح والاحتلال، قد تنتقل التجربة إلى الخط الممتد من صور إلى صيدا، في حين تبقى الكلمة الفصل، حتى الساعة، للميدان، وسط تقهقر "حزب الله" عسكريًّا، وعدم قدرة إيران على فرض شروطها، مهما رفعت سقف البروباغندا.