الاحداث- كتب محمد جلال الريسي في صحيفة النهار يقول::"منذ الإعلان عن مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، سارعت الآلة الإعلامية الإيرانية إلى تقديمها باعتبارها انتصاراً تاريخياً وهزيمة لواشنطن، في محاولة لإعادة بناء صورة القوة داخلياً وخارجياً. غير أن قراءة هادئة لمضمون الاتفاق وطبيعة العلاقات الدولية تكشف أن الصورة أكثر تعقيداً من الشعارات السياسية.
هل انتهى الصراع؟
في القانون الدولي، تختلف مذكرة التفاهم عن المعاهدة أو الاتفاقية الملزمة. فهي في جوهرها إطار سياسي يهدف إلى إدارة مرحلة انتقالية وفتح باب التفاوض، وليست وثيقة تعكس انتصار طرف بشكل نهائي أو حسم الصراع بالكامل. ولهذا فإن تصويرها على أنها دليل على هزيمة الولايات المتحدة أو انتصار إيران يتجاهل حقيقة أن الملفات الأساسية ما زالت مفتوحة، فضلاً عن حجم الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها البنية الأمنية والعسكرية الإيرانية خلال المواجهات الأخيرة. وبناءً على ذلك يمكن القول إن الصراع انتقل من ساحة المواجهة العسكرية إلى طاولة التفاوض لا أنه انتهى بصورة نهائية.
الأهم من ذلك أن الحرب الأخيرة أظهرت تحولات استراتيجية عميقة في المنطقة. فدول الخليج ولا سيما الدول التي كان موقفها واضحاً وحاسماً في مواجهة الاعتداءات الإيرانية، خرجت أكثر قوة وتماسكاً. وتلقت طهران رسائل متعددة الأبعاد؛ قانونية من خلال الإدانات الدولية للاعتداءات على الدول ذات السيادة وما قد يترتب عليها من مطالبات قانونية وتعويضات، وعسكرية عبر إظهار محدودية قدرتها على فرض إرادتها بالقوة، واقتصادية نتيجة الضغوط التي انعكست على الداخل الإيراني مقابل قدرة اقتصادات الخليج على التكيف والتعافي السريع، وسياسية بعدما أدركت أن سياسات التهديد والتدخل لم تعد تمر دون تكلفة باهظة.
إيران والتحديات الداخلية
لقد اعتاد النظام الإيراني لعقود على توظيف الأزمات الخارجية لتوحيد الداخل وتبرير الإخفاقات الاقتصادية، إلا أن التطورات الأخيرة جعلت هذه المعادلة أكثر صعوبة. فالمواطن الإيراني يواجه اليوم تحديات معيشية متراكمة، ومعدلات تضخم مرتفعة، وفرصاً اقتصادية محدودة، فيما تتزايد التساؤلات حول كلفة السياسات الإقليمية التي استنزفت موارد البلاد لسنوات طويلة.
ومن هنا، فإن الحديث عن "الانتصار" يبدو أقرب إلى محاولة لإدارة الرأي العام منه إلى توصيف دقيق للواقع. فالأنظمة لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرتها على تحقيق الأمن والازدهار لشعوبها. وإن كانت مذكرة التفاهم أوقفت جولة من الصراع، فإنها لم تُنهِ أسبابه العميقة، ولم تغلق ملفات النفوذ الإقليمي أو البرنامج النووي أو طبيعة العلاقة مع دول الجوار.
لذلك، قد يكون ما نشهده اليوم أقرب إلى "استراحة محارب" منه إلى نهاية صراع ذي أبعاد عسكرية وسياسية واستراتيجية. فالتاريخ يعلمنا أن كثيراً من الاتفاقات المؤقتة لم تكن سوى محطات بين مراحل أكبر من التغيير. وربما تكون التحولات الأكثر تأثيراً في المستقبل نابعة من الداخل الإيراني نفسه، إذا قرر الشعب الإيراني أن الوقت قد حان لبناء دولة تضع التنمية والازدهار والعلاقات الطبيعية مع الجوار فوق منطق الصراعات الدائمة والمغامرات المكلفة.
ويبقى الثابت في قراءة المشهد الإقليمي أن أمن الخليج واستقراره أصبحا أكثر صلابة، وأن المنطقة تدخل مرحلة جديدة تُقاس فيها القوة بالاستقرار والتنمية وبناء الشراكات، لا بالشعارات الثورية أو سرديات الانتصار المؤقت.