Search Icon

انتخابات للمحاسبة وانتخابات للتمثيل... أين نحن؟!

منذ ساعة

من الصحف

انتخابات للمحاسبة وانتخابات للتمثيل... أين نحن؟!

الاحداث-  كتب نبيل بو منصف في صحيفة النهار:"مهما ألمّت بلبنان عواصف وأزمات وتبدلات، تبقى خصائص تركيبته التعددية التي يترجمها إلى حدود بعيدة نظامه الدستوري ونظام الحياة السياسية فيه، ولو بغلبة ساحقة للمعيار الطائفي والمذهبي، تميز إرثه المديد في ديموقراطية هي مزيج تعدديته وانفتاحه التاريخيّ على ديموقراطيات الغرب وفي مقدمها فرنسا.
 
هذه حقيقة اعترف بها العرب والغرب دوما للبنان في معادلة عجيبة، إذ يقترن الاعتراف الخارجي بخصوصية الديموقراطية اللبنانية التي تميز هذا البلد في محيطه العربي بنظرة شديدة السلبية إلى طبقته السياسية ودولته التي توصم بالإخفاق والضعف إلى حدود عميقة وحادة. وفي ظل هذه الحقيقة لا يعود غريباً انشداد اللبنانيين إلى استحقاقات انتخابية تمتلك كل عوامل الانجذاب إلى تنافسات ديموقراطية في بلدان وأنظمة تشكل مواسمها الانتخابية شهادات حاسمة على التغيير وتناوب السلطة والاحتكام إلى النظام الديموقراطي أيا تكن صيغته، أكثرية أم نسبية أم ما بينهما. 
 
هذه المعايير المبدئية تجعل الانتخابات النصفية الأخيرة في الولايات المتحدة الأميركية نموذجاً معيارياً أمام اللبنانيين، الذين اختبروا في بلادهم، منذ الجمهورية الأولى مروراً بالحرب الكبيرة التي عصفت بلبنان بين منتصف السبعينيات ونهاية التسعينيات، وكذلك تجارب الحفاظ على الديموقراطية من جهة وامتهانها وتسخيرها واحتقارها خلال عصر الوصاية السورية الأسدية وشراكتها مع النفوذ الإيراني وصولاً إلى الحقبة الحالية. ونعني بالانتخابات المعيارية في الولايات المتحدة أنها طبعت نتائجها هذه المرة، وأكثر من أي تجارب سابقة، بطابع المحاسبة الصارمة الشرسة لعهد الرئيس دونالد ترامب في نصف ولايته الأول بموازاة الجانب التمثيلي الذي جاء بنصر ساحق للديموقراطيين.
 
 بطبيعة الحال لا يقلل البعد المتصل بالمحاسبة في هذه الانتخابات من الأهمية الكبيرة والمفصلية للتمثيل السياسي في الانتخابات. غير أن الانتخابات الأميركية الأخيرة جاءت بمثابة محاكمة مبكرة لإدارة ترامب في المسائل الحياتية والاجتماعية والأمنية لجهة رفض المضي في حرب مفتوحة بلا أفق ومهل حاسمة على إيران حتى لو لم يكن ثمة فوارق كبيرة بين الجمهوريين والديموقراطيين في التعامل الصارم مع إيران. وتكتسب هذه الدلالة أهمية كبيرة في الإضاءة على طبيعة الاعتمال الاجتماعي والسياسي الأميركي  حيال  سياسات ترامب الغرائبية.
 
فما يتعين على شعوب هذه المنطقة وفي مقدمها اللبنانيون أن يدركوه هو أن أقوى العوامل التي يفتقدونها تتمثل في التغييب التام لعوامل المحاسبة. هذا البعد اتخذ ذروة معناه التنفيذي والمعنوي في فوز كاسح تسونامي لحزب الديموقراطيين، الأمر الذي يعني أنه لولا عامل المحاسبة السياسية لا يكفي الانتخابات أن تأتي بالتمثيل السياسي والحزبي وحده لكونهما، التمثيل والمحاسبة، وجهي الانتخابات المتلاصقين.  
 
غير أن هذه المعايير الصارمة في اختبار منسوب الديموقراطية الصافية لا تحجب المحاذير الخطرة التي تترتب عن موجات تغييرية "تسونامية" غالباً ما تفتح الشهيات على ديكتاتوريات مقنعة أو حتى سافرة. أميركا نفسها هذه التي انتخبت بالأمس غالبية ديموقراطية كاسحة في مجلسي الكونغرس، شهدت نموذجين متعاقبين عن خطورة الموجات الكاسرة، الأولى مع انتخاب الرئيس ترامب قبل سنتين بنسبة تصويت قياسية جعلته يتحول إلى حاكم منفرد متسلط أقرب إلى حكام العالم الثالث بدافع من تفويض شعبي هائل، والثانية في الانتخابات النصفية الآن التي تضع مستقبل السنتين المتبقيتين من ولاية ترامب أمام خطر التصادم المتواصل بينه وبين الديموقراطيين.
 
هي إذن ضريبة محسوبة لا بد منها للتغيير العميق متى جاء بموجات اقتصاص أو عقاب أو رد فعل جماعي يتجاوز الأطر العادية في الاختبار الديموقراطي. هذا ما ترسمه لوحة تغييرية عملاقة في أميركا لديموقراطية تغدو موجعة حين تنذر بغامض كبير مقبل بعدها.