Search Icon

المرتضى عن عين الجديدة: نعمة البلدة ومسؤوليتها

منذ ساعة

سياسة

المرتضى عن عين الجديدة: نعمة البلدة ومسؤوليتها

الأحداث -  وصف الوزير السابق القاضي محمد وسام المرتضى بلدة عين الجديدة ب "النعمة" وفنّد ما تفرضه من مسؤولية وقال:

"ليست نِعمة المكان بما يزدان به من طبيعة فحسب، بل بما يبعثه في النفس من طمأنينة، وما تنسجه أيّامه بين الناس من مودّة، وما يحفظه من حكايات تصبح مع الزمن جزءًا من الهويّة والوجدان. وعين الجديدة من البلدات التي يجتمع فيها جمال الأرض وطيب العِشرة، فيغدو السكن فيها صلةً بأهلها بقدر ما هو ارتباط بأرضها، ويصبح الانتماء إلى هموم أبنائها شعورًا يتجاوز حدود الإقامة إلى ما يألفه القلب وتأنس به الروح."

وتابع:"غير أنّ لهذه البلدة حكايةً أخرى تتجاوز جمال طبيعتها ورُقيّ حاضرها؛ حكايةً حفرت الحرب فصولها المؤلمة في تاريخها، بما شهدته من ضحايا ومفقودين، وما فرضته على أهلها من تهجيرٍ وابتعادٍ عن البيوت والأرض ومألوف الحياة. ولم يكن ذلك الغياب مجرّد فراق للمكان، بل انقطاعًا قسريًّا عن تفاصيل عزيزة تختزن ذكريات العائلات ووجوه الأحبّة وأيامًا لا تُنسى. ومع ذلك، بقيت الأرض حاضرةً في وجدان أبنائها رغم الغياب، ولم تستطع الحرب أن تقطع ما شدّهم إليها من وشائج الانتماء، ولا أن تمحو من ذاكرتهم ما نسجوه فيها من حياة وذكريات؛ فظلّت العودة أملًا يسكنهم، وإرادةً تتجاوز مرارة الفقد وقسوة التهجير."

وأضاف:"وفي تسعينيّات القرن الماضي بوشر في العودة الى عين الجديدة وشرع العائدون في إزالة ما خلّفته الحرب من دمارٍ طال الحجر والبشر والشجر، ثم بذلوا جهوداً جبّارة في إعادة البناء وفق نظامٍ توجيهيّ مدروس، يحفظ جمال البلدة، ويصون طابعها التراثيّ، ويرتقي بمظهرها ورونقها. ولم تقتصر جهودهم حينها على إعادة الإعمار، بل وأيضًا على الأخذ بيد سائر أبناء البلدة تمكيناً لهم من العودة، التي لم تكن مجرّد استئناف للإقامة، بل تعبيرًا عن تجاوز المحنة والتمسّك بالأرض والإصرار على أن تنبض بالحياة من جديد. وهذه التجربة التي عاشتها عين الجديدة جديرةٌ بأن يُستهدى بها بوصفها شاهدًا على إرادة البقاء والتجذّر، ولا سيّما أنّ بلدات مجاورة لا تزال تواجه صعوبات في تحقيق عودةٍ مماثلة."

واعتبر انه:" من المسؤوليّة تجاه عين الجديدة أن تُحفظ تفاصيل تاريخها من الضياع، وأن تُنقل إلى الأجيال المقبلة بأمانة، كما عاشها الآباء والأجداد ورووها. فأصول نشأة البلدة، وتاريخ عائلاتها، وأواصر القربى التي تجمع أبناءها، وحِرَف الأوّلين منهم، وما شهدوه وعاصروه من أحداث، وتجربتا التهجير والعودة، كلّها صفحات جديرة بأن تُجمع وتُوثّق، ليستقي منها الحاضر العِبَر، وتستضيء بها الأجيال المقبلة لفهم تاريخها واستشراف مستقبلها."

وتابع :" ومن هنا تبرز مسؤوليّة البلديّة في إطلاق مبادرةٍ، بالتعاون مع أبناء البلدة وأصحاب الاختصاص، لجمع هذا التاريخ وتوثيقه وحفظه؛ من خلال تسجيل الروايات الشفويّة، وجمع الصور والوثائق، وتدوين تاريخ العائلات والأحياء، وصون سائر الشواهد التي تحمل آثار الماضي، على غرار ما جرى بشأن «المعصرة». فالتوثيق استثمارٌ في المستقبل يجعل من الماضي جسرًا يصل بين الذين شيّدوا ورحلوا، والذين تهجّروا ثم عادوا ليشيّدوا من جديد. والبلدة التي تحفظ تاريخها تصون جانبًا أصيلًا من هويّتها، وتمنح أبناءها أسبابًا إضافيّة للاعتزاز بها والتعلّق بأرضها."

وانتقل بعد ذلك الى الإشارة الى أن :"أهل عين الجديدة واعون أنه إذا كانت الذاكرة تحفظ ما مرّوا به، فإنّ الحاضر يضع أمامهم مسؤوليّة الحفاظ على ما يجمعهم. وأن الاختلاف في الرأي أمر طبيعي، ولا ينتقص من المحبّة ما دام محكومًا بالاحترام، وأنّ الخصومة حين تستطيل قد تُفسد علاقات بنتها سنوات الجيرة والعِشرة، وتُضعف روابط نسجتها الأيّام والتجارب المشتركة."

وأكّد على أن:"ما عاشه أبناء البلدة من مآسي الحرب والتهجير قد رسّخ في وجدانهم أنّ أيّ خلاف، مهما تكن أسبابه، يظلّ أصغر من أن يتقدّم على تاريخهم المشترك أو ينال من أواصرهم. فقد خبروا مرارة الفراق، وعرفوا قيمة العودة واللقاء، وأدركوا أنّ ما يُبنى بالتعاون قد تُضعفه القطيعة، وأنّ ما تحفظه المحبّة من روابط قد تُبدّده المكابرة. ولذلك فإن الدرس من تلك التجربة التي مرّوا فيها جعلهم يترفّعون عن الصغائر، ويركنون الى التسامح، ويصونون الكرامات، ويقدّمون مصلحة البلدة على كلّ اعتبار آخر، ويرسخون على أن تكون العلاقات بينهم امتدادًا لسكينة بلدتهم وجمالها ويتصرّفون في اقوالهم وأفعالهم على اساس أن ارتقاء هذه البلدة لا يكون الاّ باجتماعهم على المحبّة والتعاون."

وأضاف:" ومن هذه الزاوية، تتجاوز حكاية عين الجديدة حدودها لتلامس معنى العيش معاً في لبنان. فالوطن الذي نرجوه ليس مكانًا يتشابه أبناؤه في كلّ شيء، بل مساحة تحفظ كراماتهم، وتصون خصوصيّاتهم، وتتيح لهم أن يختلفوا من دون أن يتحوّل اختلافهم إلى حاجزٍ بينهم. وتبدأ هذه الثقافة من الحياة اليوميّة في البلدات والقرى: من احترام الجار، ومراعاة حقّ الآخر، وتغليب الحوار على الخصومة، والتعاون في كلّ ما يخدم الجميع. فالوحدة لا تُفرض بتطابق الآراء، وإنّما تُبنى حين يدرك الناس أنّ اختلافهم لا يلغي مسؤوليّتهم المشتركة بعضهم تجاه بعض، ولا يعفيهم من واجب حفظ المكان الذي يجمعهم والعمل على ازدهاره ."

وختم الوزير المرتضى:"حفظ الله عين الجديدة وأهلها، وأدام عليها نعمة الأمان والاستقرار، وبارك أرضها وبيوتها، وأبقى المحبّةَ عنوانًا لعلاقات أبنائها والتعاونَ سبيلهم إلى مستقبل أفضل وجعل الخيرَ رفيق أيّامها المقبلة!"