الاحداث- كتب ألان سركيس في صحيفة نداء الوطن يقول"
يُسابق المسار العسكري المسار الدبلوماسي. وفي الحالتين تدخل البلاد المجهول بسبب غياب الأفق الواضح. وتستمرّ إسرائيل بغاراتها شمال الليطاني وتستهدف البقاع ولا يبدو هناك أي حدود أمام استخدامها الآلة العسكرية.
يعيش الوضع الجنوبي على بركان ساخن. صحيح أن الغارات متقطعة، لكن عنفها واستعمالها عنصر المفاجأة يبقيان الوضع على حاله. البلاد في حالة حرب غير معلنة ولا أحد يمتلك مفتاح تغيير السيناريو المرسوم.
وتُصنف غارات ليل الجمعة – السبت من الأعنف بعد أسبوع استهدافات لعناصر "حزب الله". وأتت هذه الغارات لترسل رسائل في اتجاهات عدّة: الرسالة الأولى هي للمجتمع الدولي، الغارات حدثت بعد إعلان الولايات المتحدة عن أربعة اجتماعات للجنة "الميكانيزم"، أي أن تل أبيب ستشارك في الاجتماعات، لكنها ستبقي الضغط على الأرض ولن توقف العمليات العسكرية.
وتأتي الرسالة الثانية إلى الدولة اللبنانية. المطلوب من لبنان الإسراع في خطّة حصر السلاح شمال الليطاني. وتشكّل هذه الغارات عنصر ضغط إضافي حيث تقول للبنان "إفعل ما هو مطلوب منك وإلا نحن قادرون على التصرّف وبعنف".
ولا تقتصر الرسالة إلى الدولة اللبنانية على الشق العسكري والأمني، بل تتخطّاه إلى مرحلة إعادة الإعمار. غارات إسرائيل على معارض الآلات المختصة بإعادة الإعمار رسالة واضحة بأن لا إعمار قبل الانتهاء من حصر السلاح. وشنت إسرائيل الغارات بعد وقت قليل من إقرار الحكومة اللبنانية آلية إعادة الإعمار، وبالتالي وصلت الرسالة الإسرائيلية إلى الدولة اللبنانية التي تبلغتها أصلا من موفدين أميركيين وأوربيين، وتنص على عدم وضع أي حجر في الجنوب طالما هناك سلاح لـ "حزب الله" يتحرّك.
وتأتي الغارات على منطقة المصيلح كرسالة واضحة لرئيس مجلس النواب نبيه برّي، الذي تعهّد عند توقيع اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 بالعمل على حلّ مشكلة السلاح غير الشرعي وإقناع "حزب الله" بالتخلّي عن هذا السلاح. وهناك امتعاض أميركي من برّي والدولة باستخدامهما أسلوب اللعب على عامل الوقت، وهذا الأمر يفسّر نشاط برّي المتزايد في الآونة الاخير لمحاولة الوصول إلى مخرج في ملف السلاح، ولم يصل إلى نتيجة حتى الآن.
قد تكون الغارات الأخيرة وما سبقها من استهدافات، مؤشرًا خطيرًا إلى اتجاه الأمور خصوصًا بعد إعلان أمين عام "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم عدم وقوفه على الحياد إذا هاجمت أميركا إيران. الجديد في الغارات الأخيرة حسب مصادر أمنية، لا قوّتها ولا عنفها بل تكرار إسرائيل استعمالها قنابل خارقة للتحصينات.
يعلم الجميع أن تل أبيب تملك أحدث التكنولوجيا والأسلحة والقنابل. لكن حسب المصادر، إن دخول هذا السلاح يعني أن واشنطن فتحت لتل أبيب مخازن متطوّرة من السلاح والقنابل. وتذكّر المصادر بأن إدارة الرئيس السابق جو بايدن ضغطت على إسرائيل لوقف إطلاق النار، وحرمت تل أبيب لاحقًا من الحصول على مثل هكذا نوع من القنابل خوفًا من استخدامها في ضرب طهران، ويبدو مع مجيء الرئيس دونالد ترامب إلى الحكم، فإن واشنطن فتحت تلك المخازن أمام الجيش الإسرائيلي.
تملك إسرائيل تلك القنابل المتطوّرة، واستعملتها في حرب الـ 66 يومًا ضد "حزب الله" واختارت أهدافًا استراتيجيّة ودسمة مثل اغتيال السيد حسن نصرالله وخليفته السيد هاشم صفيّ الدين، وكذلك في قصف بعض مواقع الصواريخ المتطوّرة، لكن ما حصل ليل الجمعة، هو استعمالها لقصف مراكز ومخازن متواجدة في الأودية وأنفاق تحت الأرض وخلق زنار نار يُقلق من يتابع الوضع العسكري في لبنان. وهذا الأمر يؤشر إلى امتلاك تل أبيب فائضًا من تلك القنابل، وتستعملها حتى لو كانت الأهداف غير ثمينة في المنظار الأمني والعسكري.
وتتميّز القنابل الأميركية الخارقة للتحصينات بقدرتها على خرق الصخور والتحصينات الخراسانيّة والوصول إلى القعر، وهناك أنواع متعدّدة وأوزان تمتدّ من الصغيرة إلى المتوسّطة والكبيرة، وما حصل في الغارات الأخيرة، دليل على استعمال تل أبيب السلاح المناسب مهما كانت تكلفته والذهاب في المعركة نحو النهاية، في حين ترتفع مؤشرات الحرب على إيران ومعها احتمال توريط لبنان في حرب جديدة."