Search Icon

العراق وسوريا،
تثميرُ الحوافز، لا تحفيز الغرائز!

منذ ساعة

سياسة

العراق وسوريا،
تثميرُ الحوافز، لا تحفيز الغرائز!

الاحداث- كتب فيكتور الزمتر*

خلال عامين من الزمن، يبدو وكأنَّ بارقةَ أملٍ تلوحُ، إنْ أُحسنت مواكبتُها، يُقدَّرُ لها أنْ تُغيِّرَ وجهَ المشرق، الغارقَ بالأحقاد والشرذمة، بين الأُخوة الألدّاء، منذ قرونٍ. عَنَيْتُ التحوُّلَ السياسيَّ النوعيَّ، في سوريا والعراق، على يد أحمد الشرع، رئيس سوريا الحالي، وعلي الزَيدي، رئيسُ وزراء العراق الجديد.

يتمايزُ هذا الثُنائي في الخلفيَّة السياسية والعلمية، أحدُهما جهاديٌّ وافدٌ من بلاد الشام، والثانيُ جامعيٌّ وافدٌ من بلاد الرافدين. وكلاهُما أربعينيٌّ أميركيُّ الهوى، مُتطلِّعٌ إلى بناء دولةٍ حديثةٍ، تُصلحُ ما عاثَه تُجارُ السلطة، من فسادٍ وفُرقةٍ.

 لقد استغربَ العالمُ احتضانَ الولايات المتحدة، للرئيس الشرع، وهي التي أدرجته على قائمة «الإرهابيين الدَّوليين» في أيّار 2013، وأعلنت عن مكافأةً قدرُها 10 ملايين دولار لمن يُدلي بمعلوماتٍ، تؤدِّي إلى القبض عليه، قبل أن تُلغيَ المكافأةَ، بعد أقلّ من أسبوعين من دخول الشرع دمشق فاتحاً، يوم الثامن من كانون الأوَّل 2024.

وبالقدر ذاته، استهجنَ العالمُ وضعَ الولايات المتحدة الـ"Veto"، على ترشيح نور المالكي، لمنصب رئيس وزراء العراق، ما أفضى إلى الإتيان بـ"علي الزيدي"، رئيساً للوزراء، ليتبيَّنَ أنَّه مُرشَّحُها. وبذلك تكونُ واشنطن، ليس فقط، قد جمعت دمشقَ وبغدادَ تحت مظلَّتها، بعد طول خصام، بل قد تمكَّنت من وقف حالة التجاذُب والتنافُر، المُزمنة بين العاصمتين، ما يُؤسِّسُ لأُفُقٍ من الإنسجام والتعاون، بما يخدمُ مصالحَهما.

باكورةُ هذا المُعطى الواعدُ، تمثَّلت باتفاق البلدين، على إعادة تفعيل خطّ كركوك بانياس، لنقل النفط العراقي، من شمال العراق إلى شرقي المتوسط. إلى ذلك، ساعدت أزمةُ "مضيق هرمز" الحالية، بعودة العمل بخط الأنابيب، الرابط بين كركوك وميناء "جيهان" التركي، بعد توقُّفه عن العمل، عام 2023. تنشيطُ هذين الخطَّين، يُبشِّرُ بتوجُّهٍ حكيمٍ، لإقامة شراكة مصلحية بين المُثلَّث العراقي السوري التُركي، على أمل توسِعتهما لضمِّ لبنان اللَّصيق وباقي الجوار.

هذا التعاوُنُ الطاقوي، يندرجُ ضمن مُخطَّط الرئيس ترامب، لإعادة رسم خريطة الطاقة، في غرب آسيا. من هنا، يُمكنُ تفسيرُ خلفية حرارة ترحيب الرئيس ترامب، بزيارة رئيس وزراء العراق الأخيرة، علي الزيدي، إلى حدِّ التغزُّل بوسامته. وهذا دليلٌ على أهمية العراق، كحجر الزاوية في تفعيل خطوط الأنابيب القديمة، وتنفيذ خطوطٍ جديدةٍ، من منابع الطاقة العراقية، باتجاه البحر المتوسط.

 مع إدراكه باهتزاز آحادية زعامة بلاده العالمية، في زمن يقظة التنين الصيني، يثقُ الرئيسُ ترامب، بأنَّ الولايات المتحدة ما تزالُ القوَّةَ العالميةَ الأعظمَ. وعليه، لا بُدَّ من التحرُّك سريعاً، لاجتراح سياسةٍ تُديمُ تلك الزعامة، لنصف قرنٍ على الأقلّ. من هنا، تفتَّحت قريحتُه على إدامة الزعامة المُهيمنة، عبر الإمساك بمنابع الطاقة، وبالسيطرة على مسالك تسييلها، بالتوازي  مع إغراء الدول النفطية، ومعها الدول المُتحكِّمة بالمعابر الإستراتيجية، برفع العقوبات، إنْ وُجدت، وبشراكات مُستدامةٍ للإستفادة من نِعَم عوائد الطاقة المُسيَّلة.

من هذا المنظار، تُفهم غزوةُ فنزويلّا، ونكبةُ غزَّة ولبنان، وتغييرُ الحُكم في سوريا، مُروراً بنُشدان الحكم الرشيد، في دولة هارون الرشيد، وُصولاً إلى الحرب على إيران، التي تسعى واشنطن لإخضاعها، سلماً أو حرباً، لُزومَ إحكام سيطرتها على الطاقة ومسالكها. إنَّها، باختصار، وجهٌ من أوجُه الهيمنة الناعمة، عبر الإستثمار الاقتصادي، بدلاً من استخدام القُوَّة العسكرية.

إنَّ إحكامَ السيطرة على الطاقة وعلى سلاسل توريدها، لم يعدْ مُجرَّدَ اعتقادٍ، بدليل انقلاب الأوضاع رأساً على عقبٍ، في ساحات العراق وسوريا ولبنان وغزَّة واليمن، الدائرة جميعها في الفلك الإيراني. وما الهجمةُ الأميركيةُ الإسرائيليةُ على إيران ذاتها، إلّا حلقةً ضمن السعي الدؤوب، لِقَصقَصة أجنحة النفوذُ الإيرانيّ. فلِقاءاتُ الرئيس ترامب، مع رؤساء تركيا وسوريا والعراق ولبنان، تهدفُ إلى تفكيكٍ مُمنهجٍ لحلقات "الهلال الشيعي"، إيذاناً بزوال العائقُ الأساسي، أمام إتمام السيطرة الأميركية على الطاقة في الشرق الأوسط.

يُدركُ "توم بارك"، اللُّبناني الأصل، حساسية الوضع اللُّبناني، بين إسرائيل وسوريا وإيران، ما دفعَه إلى التحذير، بقوله: ".. إذا لم يتحرّكْ لبنان، (حول حصرية السلاح)، فسيعودُ إلى بلاد الشام من جديد". يومَها، استاءَ وتشاءمَ بعضُ اللُّبنانيين، من خلفية هذا التحذير، لجهلهم بما يحملُه العقلُ المُقاولُ، من تصوُّرٍ لمستقبل بلاد الشام ومُحيطها. فالرئيسُ ترامب ومبعوثُه الخاص إلى سوريا والعراق، كلاهما رجلُ أعمالٍ، يبغي تأمينَ الربح بالقُوَّة الناعمة، بدل القُوَّة الخشنة. لذلك، أطلقَ الرئيسُ ترامب يدَ صديقه الموثوق، بتنفيذ رُؤيته لغرب آسيا والعالم العربي، عبر الاقتصاد.

يُركِّزُ "توم باراك" على الطاقة، لكونها عاملاً مساعداً، في تكامُل بيئَتها الجغرافية، بشراكةٍ تجمعُ المنبعَ والممرَّ، وبتشجيع الحلفاء على الإعتماد على الذات. كما يرى بأنَّ التنعُّمَ بالإستقرارَ والإزدهارَ، يتمُّ عبر شراكةٍ اقتصاديةٍ بُنيَويةٍ تحتيةٍ، تجمع الرُباعي العراقي السوري التركي واللُّبناني، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام ربطٍ إقليميٍّ أشمل، تنويعاً لسلاسل التوريد، وتعزيزاً للتكامُل الإقتصادي، وتهميشاً للممرّات الإشكالية.

في حمأة التحرُّكات السورية والعراقية والتركية، عسى أنْ يكونَ لبنانُ، على خطّ هذا الحراك الواعد، خوفاً من أنْ يُتركَ له فُتاتُ أسياد الوليمة.
*سفير سابق