الأحداث – حذّر البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي من تفاقم الأوضاع الاقتصادية في لبنان وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، متسائلًا: «ماذا نفعل بالعائلة التي لم تعد قادرة على تأمين أبسط حاجاتها؟»، معتبرًا أنّ مشاكل الدولة باتت تُعالج على حساب المواطن.
وفي عظة قداس في العاقورة، شدّد الراعي على أنّ «كلنا مسؤولون»، داعيًا إلى المشاركة والتعاون من أجل تأمين احتياجات العائلات وضمان حق الطلاب في متابعة تحصيلهم العلمي.
وأكد الراعي ضرورة الحفاظ على الحضور المسيحي في الشرق، معتبرًا أنّ ذلك مسؤولية وطنية، وداعيًا إلى عدم التفريط بالأرض والجذور والهوية. وشدّد على أهمية بناء وطن يتيح للشباب فرصة العمل وتأسيس عائلات.
وفي الشأن الأمني، أشار الراعي إلى أنّ ما يجري على الحدود اللبنانية يكشف أنّ أي ثغرة في ضبط الحدود يمكن أن تتحوّل إلى تهديد لأمن البلاد، مؤكدًا أنّ حصر السلاح بيد الدولة شرط أساسي لقيامها.
نص العظة
وقال البطريرك الراعي في مئوية تطويب الإخوة المسابكيين الشهداء في عظة بعنوان "كنتُ جائعًا فأطعمتموني"(متى 25: 35)
1. في نور هذا الإنجيل، نحتفل اليوم بعيد المسيح الملك، ونستعيد في العاقورة العزيزة مئوية تطويب الإخوة المسابكيين، الذين جعلوا من إيمانهم حياةً، ومن محبتهم شهادةً، ومن أمانتهم للمسيح طريقًا إلى القداسة والاستشهاد. فالمسيح الذي نعلن ملكه اليوم هو نفسه الذي ملك على قلوب هؤلاء الشهداء، ومنحهم الشجاعة ليبقوا أمناء له حتى النهاية. فيسعدنا أن نحتفل معًا بمئوية تطويب الإخوة القديسين المسابكيين: فرنسيس وعبد المعطي ورفائيل، الذين قدّموا حياتهم شهادةً لإيمانهم بالمسيح.
لهذا الاحتفال في العاقورة معنى خاص، إذ إن عائلة المسابكيين تعود في جذورها إلى هذه البلدة العزيزة، وإن كان الإخوة الثلاثة قد وُلدوا وعاشوا في دمشق. وكأن العاقورة اليوم تستعيد أبناءً من جذورها، وتحتضن ذكراهم بعد أكثر من قرن ونصف على استشهادهم.
وُلِد الإخوة المسابكيون ونشأوا في دمشق، في عائلة مارونية عُرفت بإيمانها وتقواها. ولم يكونوا رهبانًا أو كهنة، بل علمانيين عاشوا إيمانهم في قلب الحياة اليومية، في العائلة والعمل والصلاة وخدمة الآخرين.
2.كان فرنسيس متزوجًا وأبًا لعائلة كبيرة، وعُرف باستقامته وسخائه ومساعدة المحتاجين. وكان عبد المعطي رجل عائلة أيضًا، واهتم بالتعليم والتنشئة المسيحية. أما رفائيل فاختار حياة العزوبة، وكان قريبًا من الكنيسة، مكرّسًا وقتًا كبيرًا للصلاة والخدمة.
وفي ليلة ٩ و١٠ تموز سنة ١٨٦٠، خلال الاضطهاد الذي تعرّض له مسيحيو دمشق، لجأ الإخوة الثلاثة إلى دير الآباء الفرنسيسكان. وهناك، حين طُلب منهم أن ينكروا إيمانهم، اختاروا الثبات في المسيح حتى النهاية، واستُشهدوا مع ثمانية من الرهبان الفرنسيسكان. وفي ١٠ تشرين الأول سنة ١٩٢٦ أعلنتهم الكنيسة طوباويين، وبعد قرابة مئة عام، في ٢٠ تشرين الأول سنة ٢٠٢٤، أُعلنوا قديسين مع شهداء دمشق.
وما يلفتنا في حياتهم أن قداستهم لم تبدأ ساعة الاستشهاد، بل ظهرت في أمانتهم لعائلاتهم، وفي عملهم وصلاتهم، وفي محبتهم للفقير والمحتاج. فالاستشهاد لم يكن سوى تتويج لحياة اختاروا فيها المسيح يومًا بعد يوم.
ويأتي احتفالنا بهم في عيد المسيح الملك ليمنح هذه الذكرى معنًى أعمق. فالمسيح الذي ملك على قلوب الإخوة المسابكيين حتى بذلوا حياتهم من أجله، هو الملك الذي يكشف لنا إنجيل اليوم أن عرشه لا يقوم على القوة والسلطان، بل على المحبة والرحمة وخدمة الإنسان الجائع والفقير والمريض والغريب والعريان والأسير.
3. يحمل إنجيل الدينونة العامة اليوم حقيقةً روحية عميقة: إن لقاء الإنسان الأخير مع الله يكشف حقيقة حياته، وما اختاره بحرّيته، وما فعله بالنعم والفرص التي وُضعت بين يديه. فالدينونة ليست حكمًا اعتباطيًا، بل إعلان لحقيقة المحبة التي عاشها الإنسان بأعماله. وفي ذلك تتجلّى عدالة الله ورحمته معًا، إذ لا يضيع لديه خيرٌ صُنع في الخفاء، ولا تُنسى محبةٌ قُدّمت بإخلاص. إنّ المسيح يدعونا إلى أن نعيش منذ الآن بروح الملكوت، فلا نؤجل الخير، ولا ننتظر المناسبات الكبرى لنشهد لإيماننا. فالأمانة تُبنى في القرارات الصغيرة، والقداسة تنمو في الواجبات اليومية، حتى يصبح الإنسان مستعدًا للقاء ربه. وهذا ما تؤكده شهادة الإخوة المسابكيين: لقد هيّأوا قلوبهم لله طوال حياتهم، فجاءت ساعة الاستشهاد تتويجًا لأمانةٍ رافقتهم في مسيرتهم. فالإنسان لا يصبح أمينًا في اللحظة الأخيرة، بل يحمل إلى تلك اللحظة حصيلة حياةٍ اختار فيها الحق والخير والمحبة.
4. في الشأن الوطني، تضعنا كلمة الرب اليوم: «كنتُ جائعًا فأطعمتموني» أمام امتحان لا يحتمل المواربة: ماذا نفعل بالإنسان الذي يتألم أمامنا؟ ماذا نفعل بالمحتاج، وبالعائلة التي لم تعد قادرة على تأمين أبسط ضروراتها، وبالشاب الذي يبحث عن عمل ومستقبل، وبالمواطن الذي يشعر كل يوم أن الأعباء تُلقى فوق كتفيه؟
لقد أصبح الوضع الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي بالغ القسوة، والمواطن هو الذي يدفع الثمن الأكبر. ترتفع كلفة الحياة، وتزداد الأعباء، وتتراجع القدرة الشرائية، وتضيق فرص العمل، حتى يبدو أحيانًا وكأن أمور الدولة ومشكلاتها تُعالَج على حساب المواطن ومن نفقته.
كلنا مسؤولون أمام الحاجة والمحتاج: الدولة مسوؤلة ومؤسساتها مسؤولة، الكنيسة مسؤولة، أصحاب الإمكانات مسؤولون، المؤسسات الخاصة مسؤولة، والمجتمع المدني مسؤول. علينا أن نتشارك ونتعاون لكي نؤمّن للعائلة ما يحفظ كرامتها، وللمريض حقه في العلاج، وللطالب فرصة التعليم، وللشاب فرصة العمل، وللمسن حياة كريمة. فالجوع ليس جوعاً إلى الخبز وحده؛ هناك جوع إلى العمل، وإلى الأمان، وإلى العدالة، وإلى الشعور بأن الإنسان ليس متروكًا لوحده.
وفي مناسبة مئوية تطويب الإخوة المسابكيين، لا يمكن إلا أن نعيد التأكيد على الحضور المسيحي في لبنان والشرق. فهذا الحضور ليس امتيازًا ولا انغلاقًا على الذات، بل مسؤولية ورسالة وشراكة في هذه الأرض وفي مستقبلها.
فإنّنا نشهد بيعًا متزايدًا للأراضي، لكننا ندعو بإلحاح إلى عدم التسرع في بيعها، وإلى عدم التفريط بالأرض. فالأرض هي ذاكرة وجذور وهوية ومستقبل. وما نخسره منها اليوم قد لا يستطيع أبناؤنا استعادته غدًا.
وبالنسبة إلى هجرة الشباب، فالمطلوب وطن يستطيع فيه الشاب أن يعمل، وأن يؤسس عائلة. وقد شدّد قداسة البابا لاون الرابع عشر على ضرورة الحفاظ على الحضور المسيحي في الشرق، ومساندة أبنائه للبقاء في أرضهم، شهودًا للوحدة والسلام.
وان ما يجري على الحدود يفرض نفسه اليوم كقضية لا يمكن التقليل من خطورتها. فتكرار محاولات تهريب المتفجرات والسلاح والمواد الممنوعة يكشف أن الخطر ليس نظريًا، وأن أي ثغرة في ضبط الحدود يمكن أن تتحول إلى مدخل لتهديد أمن المواطنين واستقرار البلاد. ولهذا فإن ضبط الحدود بصورة جدية وفاعلة هو جزء من حماية كل لبنان.
ولا بد من التأكيد على أن حصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية هو شرط أساسي لقيام دولة قادرة وعادلة، تتولى وحدها مسؤولية الأمن والسلم. فلا يمكن أن نطالب بالأمان ونقبل في الوقت نفسه بتعدد المرجعيات الأمنية. والدولة التي نريدها ليست دولة قوية على المواطن وضعيفة أمام الفوضى، بل دولة تحمي المواطن، وتضبط حدودها، وتطبّق القانون على الجميع، وتصون السيادة والحقوق من دون استثناء.
ولا يكتمل هذا الواجب الوطني من دون العمل الجدي على معالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وإعادة إعمار ما تهدّم، وتأمين عودة العائلات إلى بيوتها وقراها بكرامة وأمان. فلا يجوز أن يتحول التهجير إلى واقع دائم، ولا أن يُترك المواطن وحيدًا أمام الخراب والفقر والخوف.
5. في هذه المناسبة، تحمل شهادة الإخوة المسابكيين رسالة وطنية وإنسانية تدعونا إلى التمسّك بحرية الإيمان، وصون كرامة الإنسان، ورفض العنف والتعصّب. فكما ثبتوا في إيمانهم حتى الاستشهاد، نحن مدعوون اليوم إلى الثبات في أرضنا، ومواجهة الظلم والحاجة، وتعزيز العدالة والأخوّة والعيش المشترك.
ومن العاقورة، أرض جذور الاخوة المسابكيين، نرفع نداءً بأن تبقى ذكراهم دعوةً إلى حماية الإنسان وتثبيته في أرضه، ليبقى لبنان وطنًا للحرية والإيمان والسلام. ونسأل الله أن يجعلنا على مثالهم ثابتين في الإيمان، أمناء للحق، وشهودًا للمحبة في خدمة إخوتنا في حاجاتهم، وللمسيح الملك المجد والشكر مع الآب والابن والروح القدس، الآن والى الابد. آمين.