Search Icon

الراعي: الأرض ذاكرة وجذور وهوية.. ولا يمكن تثبيت الناس فيها من دون إعادة مقومات الحياة إليها

منذ ساعة

سياسة

الراعي: الأرض ذاكرة وجذور وهوية.. ولا يمكن تثبيت الناس فيها من دون إعادة مقومات الحياة إليها

 

الأحداث – شدّد البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي على أن «الأرض ليست مجرد ملكية مادية، بل هي ذاكرة وجذور وهوية»، محذراً من تزايد بيع الأراضي تحت ضغط الظروف الاقتصادية الصعبة، ومؤكداً أن الحفاظ على الحضور المسيحي في لبنان والشرق مسؤولية وطنية تتطلب التمسك بالأرض وتأمين مقومات البقاء وحماية التنوع الذي يميّز هوية لبنان ورسالته.

ودعا الراعي الدولة إلى تحمّل مسؤولياتها في توفير فرص العمل والتعليم والسكن والطبابة، واستعادة ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم، مشدداً على أن حصر السلاح تحت سلطة الدولة وتعزيز الجيش والقوى الأمنية يشكّلان من المقومات الأساسية لقيام دولة قادرة على حماية أرضها وشعبها وحدودها.

وجاء كلامه خلال عظة ألقاها في القداس الإلهي الاحتفالي الذي ترأسه في كاتدرائية مار لويس للآباء الكبوشيين في وسط بيروت، لمناسبة مرور 400 سنة على حضور الرهبنة الكبوشية في لبنان والشرق الأدنى، بمشاركة شخصيات كنسية ورسمية ودبلوماسية ورهبانية.

وفي الشق الوطني من عظته، أكد الراعي أن الحفاظ على الحضور المسيحي لا يتحقق بالشعارات، بل بإجراءات عملية تعزز صمود العائلات وتوفر للشباب أسباب البقاء في أرضهم بدلاً من الهجرة، مستعيداً تشديد البابا لاون الرابع عشر على ضرورة صون الحضور المسيحي في الشرق ومساندة الشباب والعائلات الذين تدفعهم الأزمات الاقتصادية إلى مغادرة أوطانهم.

وأشار إلى أن إعادة إعمار المناطق المتضررة وعودة العائلات إلى منازلها تشكّلان مسؤولية وطنية وإنسانية، لافتاً إلى أنه لا يمكن تثبيت الناس في أرضهم من دون إعادة مقومات الحياة إليها، ولا الحديث عن البقاء فيما القرى تفتقر إلى فرص العمل، والبيوت لا تزال مهدمة، والعائلات تفتقد الشعور بالأمان.

وشدد على أهمية الدبلوماسية اللبنانية والعلاقات مع المجتمع الدولي لتحصين موقع لبنان وتأمين الدعم لمؤسساته والدفاع عن مصالحه، داعياً إلى ترجمة هذه العلاقات إلى نتائج ملموسة تعزز الاستقرار والتعافي، ومؤكداً ضرورة أن يبقى لبنان أرض لقاء ووطن عيش مشترك، لا ساحة صراع وانقسام.

أربعة قرون من الرسالة الكبوشية

وفي البعد الروحي والتاريخي، انطلق الراعي من مثل وليمة العرس في إنجيل متى، مشدداً على أن الإيمان الحقيقي يترجم بالأعمال والسلوك، وأن المسؤولية تظهر في الخدمة والعمل وتقديم خير الإنسان والوطن على المصالح الخاصة.

وربط هذه الدعوة برسالة الرهبنة الكبوشية التي قامت، على مدى أربعة قرون، على الفقر والبساطة والأخوة والخدمة، مستعيداً بدايات حضورها في لبنان عام 1626، مع وصول راهبين كبوشيين فرنسيين إلى صيدا، قبل أن تتوسع رسالتها إلى بيروت وطرابلس وحصرون وغزير وعبية وصليما وبعبدات ومناطق أخرى، حيث اهتم الرهبان بالتعليم ورعاية المرضى وخدمة الفقراء ومساندة المتألمين.

وتوقف عند ثمار هذه الرسالة، وفي طليعتها الطوباوي يعقوب الحداد الكبوشي، مؤسس جمعية راهبات الصليب الفرنسيسكانيات، والطوباويان الشهيدان ليونار ملكي وتوما صالح، مؤكداً أن اليوبيل ليس مجرد استذكار للماضي، بل دعوة إلى تجديد الأمانة للإنجيل ومواصلة خدمة الإنسان والمجتمع.

وشارك في القداس ممثل رئيس الجمهورية الوزير ميشال منسى، والمطران بولس عبد الساتر، راعي أبرشية بيروت المارونية، والمطران الياس نصار، والرئيس الإقليمي للرهبنة الكبوشية الأب إيلي رحمة، والأب فادي تابت، إلى جانب عدد من المطارنة والأساقفة والرؤساء الرهبانيين، وممثل السفارة البابوية، والنائب الرسولي للاتين في لبنان المطران سيزار إسايان، والسفير الفرنسي باتريك دوريل، وممثل السفارة الإيطالية لويجي بوتشيتي، وشخصيات سياسية ودبلوماسية وأمنية وعسكرية، وحشد من المؤمنين.

وفي ختام الاحتفال، تليت رسالة الرئيس العام للرهبنة الكبوشية الأب روبيرتو جِنوين، الذي أكد أن اليوبيل يشكل انطلاقة متجددة نحو المستقبل، ودعا إلى مواصلة الشهادة لوجه المسيح الرحيم والبقاء إلى جانب المتألمين والمحتاجين، فيما شدّد الأب إيلي رحمة على استمرار رسالة الرهبنة في نشر المحبة والأخوة والسلام.

واختُتم الاحتفال بالصلاة من أجل لبنان وشعبه، والتأكيد على مواصلة رسالة الإيمان والخدمة والأخوة في لبنان والشرق الأدنى، في مناسبة جسّدت أربعة قرون من الحضور الكبوشي والشهادة الروحية والإنسانية.