الاحداث- كتب نبيل يوسف في صحيفة نداء الوطن يقول:"كان تعلّق الطوباوي البطريرك الياس الحويك ببلدته حلتا ومنطقته مميّزًا، حتى قبل أن يصبح كاهنًا وأسقفًا وبطريركًا. ويُروى أنه كان يقول لمرافقيه عندما يصل إلى حدود بلاد البترون، وهو في طريقه إلى الديمان أو عائدًا إلى بكركي: "أشعر بارتياح عندما أشاهد هذه الأرض، وأرى استقبال الناس ومحبتهم".
مدرسة دير مار مارون – كفرحي
أحب البطريرك الحويك هذه المدرسة التي انتقل اليها طالبًا من مدرسة تحت السنديانة في قريته، وعرفته مدرّسًا واعتبرها أكثر من ضرورية لبلاد البترون وبقي على علاقة مع معظم طلابها ومدرسيها وقربهم منه ولم يقصّر يومًا في دعمها وتأمين نجاحها، فسعى صيف 1902 لاحضار الأخوة المريميين ليشاركوا في إدارتها، فوصل 3 منهم، لكن بعد سنة رغبوا في افتتاح مدرسة خاصة بهم فساعدهم على الانتقال إلى البترون حيث افتتحوا مدرستهم خريف 1903 في مبنى استأجروه ولاحقًا بنوا ديرًا ومدرسة في البترون كان يزوره باستمرار.
معاملته لأبناء منطقته
لم يفرق يومًا بين قيادات وأبناء بلاد البترون، فعندما قرر شقيقه سعد الله سنة 1922 الترشح للانتخابات النيابية وكان منافسه ابراهيم بك عقل أخذ موقف الحياد التام.
ومن أهم الروايات عن معاملته أبناء منطقته أن صداقة ربطته، منذ زمن الدراسة في دير كفرحي، بإبراهيم بك عقل، مدير ناحية البترون الساحلية. وكان دائمًا يتوقف في دار آل عقل في البترون، وغالبًا ما يبيت فيها، وهو في طريقه من بكركي إلى الديمان أو عائدًا إلى بكركي.
سنة 1906، أزاح المتصرف مظفر باشا إبراهيم بك عقل من منصبه، وكان المأخذ واهيًا، إذ عبّر عنه المتصرف بإهمال المدير واجباته في مكافحة داء الجدري الذي ضرب مدينة البترون. وكان واضحًا أن إزاحته رسالة إلى البطريرك الحويك. وعيّن مكانه أسعد بك ضو، خصم آل عقل في البترون، الذي لم تكن تربطه علاقة جيدة بالبطريرك.
اعتقد الجميع أن البطريرك الحويك لن يتوقف في دار آل ضو، لكنه، قبل أيام من توجهه إلى الديمان، أرسل موفدًا إلى أسعد بك ضو أبلغه أنه سيتوقف عنده. فرغم تبدّل الشخصيات، لم يبدّل البطريرك عادته، وكان له استقبال حاشد، كما في كل مرة كان يأتي فيها إلى البترون.
استقباله في بلاد البترون
كان لأبناء بلاد البترون موعدان ثابتان مع البطريرك الحويك: مطلع الصيف، وهو في طريقه من بكركي إلى الديمان، وعند عودته إلى بكركي.
كان يتم استقباله عند جسر المدفون ويلاقيه مدير الناحية وكبار الموظفين والضباط والكهنة والأعيان والوجهاء وموسيقى جمعية القديس لويس غونزاغا الخيرية في البترون وحشود من الأهالي، ويكمل طريقه إلى كفرعبيدا والبترون حيث ينزل في دار مدير الناحية وتقام على شرفه مأدبة غداء، وغالبًا ما يبيت ليلته في البترون ومن ثم يكمل طريقه إلى عبرين فيزور دير راهبات العائلة المقدسة المارونيات الأم ويتناول الغداء عندهم ويتابع إلى دير كفرحي لتفقد المدرسة، وكان في صعوده إلى الديمان يمر في تنورين ويأخذ طريق تنورين – حدث الجبة، وأما في طريق عودته ويكون بدأ الخريف فيأخذ طريق الديمان – قنات – دير بلا – دير كفرحي – دير عبرين – البترون، وينزل في دار مدير ناحية البترون الساحلية ومن البترون يغادر إلى جسر المدفون وهناك يكون الوداع الأخير.
بعد عام 1920 تبدلت طريقه، بعد أن قامت سلطات الانتداب بتوسيع طريق طورزا – بيت منذر – الديمان المعروفة بطريق عين السنديانة وأصبحت صالحة للسيارات، فلم يتوجّه يتوجه إلى الديمان على ظهر الخيل بل يركب سيارة، وكانت طريقه من جسر المدفون إلى البترون، شكا، أميون، كوسبا، طورزا، بيت منذر، الديمان.
العلم والتدريس
اهتم بالعلم ونشر المدارس ودعمها في لبنان وبلاد البترون فأنشأ اعتبارًا من أواخر القرن التاسع عشر سلسلة مدارس لراهبات العائلة المقدسة المارونيات في بلاد البترون: البترون، تنورين الفوقا، جران، دوما، كفيفان، سمار جبيل، شكا، صورات، عبرين.
واشترى في البترون مدرسة جمعية المرسلين اللبنانيين، وضمّها إلى مدرسة راهبات العائلة المقدسة، وجدّد المدرسة المارونية في روما، وسلّمها إلى الخوري الياس شديد من إده، الذي عاد وسلّمه مدرسة مار يوحنا مارون في كفرحي، بعد تسقيفه وتعيينه نائبًا بطريركيًا. وساعد المونسنيور طوبيا يونس في استقدام راهبات المحبة لتأسيس مدرسة في تنورين، وساعد، سنة 1889، عندما كان أسقفًا، راهبات القلبين الأقدسين على شراء ديرهنّ قرب كاتدرائية مار اسطفان في البترون، حيث افتتحن مدرسة وميتمًا. كما دعم مدرسة وقف البترون، جنوب كنيسة مار اسطفان، وكان دائمًا، عندما يزور أي مدينة أو بلدة، يتفقّد مدارسها، مطّلعًا على أحوالها والصعوبات التي تواجهها. وكان يرسل، كل سنة، طلابًا لإكمال دراساتهم في فرنسا أو إيطاليا، ومنهم العديد من طلاب بلاد البترون، الذين تسلّم بعضهم لاحقًا مراكز مهمة في لبنان والكنيسة.
كان هدفه أن يكون في كل بلدة مدرسة وكان دائمًا يوفد مندوبين عنه لتفقد المدارس ودراسة أحوالها.
المستشفى
كان مهتمًا ببناء مستشفى في البترون فكلف الخوري بولس سعاده من مار ماما الاهتمام بشراء مبنى قرب كنيسة مار اسطفان وتجهيزه وتحويله إلى مستشفى باركها ودشنها سنة 1909.
بناء الكنائس
شجع ودعم بناء الكنائس في القرى وفي عهده بنيت في بلاد البترون كنائس في: البترون، تنورين، مزرعة حريصا، دوما، رام، شاتين، عبدللي، كفرعبيدا.
الحرب العالمية الاولى
كان البطريرك الحويك في البترون عندما وصله خبر مقتل صديقه ولي عهد النمسا فأقام قداسًا لراحة نفسه وبدات تصل الأخبار عن اندلاع الحرب وتوسعها.
في 12 كانون الأول 1914 استدعى جمال باشا الخوري بشارة الشمالي وأبلغه بضرورة أن يطلب البطريرك الماروني والمطارنة الفرمان العثماني وعاد وكرر طلبه أمام المطرانين شبلي وصقر.
استدعى البطريرك الحويك المطارنة على عجل، واجتمع بهم في دير كفرحي. وبعد التداول، وحمايةً للرعية، تقرر "التعطّف بالفرمان العالي الشأن، المعتاد منحه لرؤساء الطوائف الكاثوليكية العثمانية".
حوصر جبل لبنان ووصل الجوع والمرض إلى كل بيت وتشتت الناس يبحثون عن الطعام فماتوا بالمئات على الطرقات فدفنوا حيث وجدت جثامينهم من دون أي صلوات: كانت أيام بؤس لم يعرفها جبل لبنان من قبل.
لم يكن هناك من معين سوى البطريرك الحويك ومطارنته وكهنته ورهبانه، ففتحوا الأديرة والكنائس للمحتاجين وتحت الخطر أحضروا الطحين إلى جبل لبنان.
بشهادة جميع المؤرخين لولا بطولة البطريرك الحويك ورجال الاكليروس الماروني لما بقي شخص واحد على قيد الحياة في جبل لبنان، وفي مكتبة دير مار يوحنا مارون – كفرحي مئات الوثائق والتقارير والجداول التي تظهر بوضوح حجم المساعدات التي قدمتها الكنيسة للناس خلال الحرب العالمية الأولى.
إضافة إلى عمله في إغاثة المحتاجين كان على البطريرك الحويك رد ظلم جمال باشا، فَنُفي شقيقه سعد الله إلى الأناضول مع من نفيوا من قيادات البلد، وأكثر من مرة كان في نية جمال باشا نفي البطريرك أيضًا، لكنه كان يتهيب الاقدام على هكذا خطوة مع رأس الكنيسة المارونية.
انتهت الحرب العالمية الأولى وغادر جمال باشا لبنان وعاد المنفيون من تركيا، وراح الناس يلملمون جراحهم ويعودون إلى قراهم.
لمعرفة حجم الكارثة التي أصابت القرى والبلدات، أرسل البطريرك الحويك عدة كهنة جالوا في كل المناطق، وسجّلوا أعداد السكان قبل اندلاع الحرب، وأعداد من هاجروا ومن ماتوا خلالها ومن بقوا في قراهم. وتبيّن في بلاد البترون أن ثلث الناس تقريبًا ماتوا خلال الحرب جوعًا ومرضًا، وهاجر ثلثهم الثاني، ولم يبقَ في القرى إلا ثلث الذين كانوا يقيمون فيها عند اندلاع الحرب.
كانت فاجعة كبيرة، وأصبح همّ البطريرك تشجيع الناس على إكمال حياتهم في قراهم.
قد لا تتسع مجلدات لرواية علاقة البطريرك الحويك بمنطقته، ولكن قد نكون، في هذه الأسطر، أضأنا على قليل من تلك العلاقة.