الاحداث- كتب فيكتور الزمتر*
توقيعُ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، "مُذكّرةَ التفاهُم" مع إيران، في قصر "فرساي"، مساء 17 حزيران الفائت، يستحضرُ عربةَ قطار "Wagon Compiegne"، التي اعتُبرت "رمزاً للصراع والإنتقام"، بين فرنسا وألمانيا، كونها صُنعت خِصِّيصاً لِلتنقُّلات العسكرية، للقائد الفرنسي، المارشال "Ferdinand Foch". بطل "الحرب العُظمى".
جديرٌ بالذكر، أنَّ تلك العربةَ قد استضافت حفلَ توقيع استسلام ألمانيا، يوم 11 تشرين الثاني 1918، قبل عقدين على إصرار "أدولف هتلر"، على إرغام فرنسا على توقيع حفل استسلامها، يوم 22 حزيران 1940، على يد القُوّات النازية، في ذات عربة القطار، التي استُقدمت من المتحف العسكري الفرنسي، مسحاً لعار الهزيمة الألمانية، غداةَ نهاية "الحرب العُظمى"، المعروفة جوازاً بـ"الحرب العالمية الأُولى". وتفادياً لتكرار حفلة الإذلال، مع تعاظُم إشارات هزيمتها، في الحرب العالمية الثانية، قامت قواتُ ألمانيا النازية الخاصَّة "SS"، بحرق العربة وتدميرها، في آذار 1945.
الهدفُ من هذا الإستهلال التاريخي، إبرازُ استخلاصُ العِبَرِ من خطأ إذلال الخصم، لدى انكساره، كي لا تدفعُه كرامتُه المجروحةُ إلى الإنقلاب على توقيعه، فيستمرُّ الصراعُ ويتناسلُ الحقدُ. وفي هذا السياق، لا ضيرَ من التكهُّن بأنَّ قبولَ الرئيس ترامب، بمُندرجات "مُذكِّرة التفاهُم"، المُعتبَرة لصالح إيران المُخضرمة، من قِبَلِ دُعاةُ "سحق ومَحق" الخصم، لم يأتِ من فراغٍ، بل، رُبَّما، ضمن مُراهنة الولايات المتحدة وسعيها الحثيث، لإعادة بلاد فارس إلى الكنف الأميركي.
في هذه الأثناء، يستمرُّ الوضعُ على اهتزازه، في إيران ومُحيطها الإقليمي، رُغم إقرار "مُذكَّرة التفاهُم"، بانتظار حلِّ القضايا الشائكة، التي أدَّت إلى الحرب عليها. وعلى صعيد القيادة، فتحَ الرحيلُ الجماعي لجيل ثورة 1979، المجالَ أمام جيلٍ قياديٍّ جديدٍ، ليس بالضرورة من قماشة الخطّ التقليدي المُحافظ، الرافض لتطوير النظام. كما أنَّ غيابَ المُرشد اللّافت عن وداع والده، مؤشِّرٌ إضافيٌّ على ضُمور سُلطة المُرشد المطلقة، لصالح من يُمسكُ بزمام البرلمان، محمد باقر قاليباف، وبالحرس الثوري، أحمد وحيدي، وكلاهما يصغران المرشد علي خامينئي بربع قرنٍ، أي بجيلٍ كاملٍ.
أمّا خلفيتُهما العلميةُ فتُخوِّلُهما مُحاكاةَ نبض العصر، ومُماشاة تطلُّعات الأجيال إلى الإنفتاح وثقافة الحياة. فرئيسُ البرلمان الإيراني، "قاليباف"، هو خرّيج الدراسات العليا في الجغرافيا السياسية، اختار لإطروحة الدكتوراه، موضوعَ "تطوُّر المؤسسات المحلية في إيران المُعاصرة". أمّا قائدُ الحرس الثوري، فقد أتمّ دراستَه الجامعيةَ مُتخصِّصاً في علم الإلكترونيات، ونالَ درجةَ الماجستير في الهندسة الصناعية، والدكتوراه في العلوم الإستراتيجية.
وعلى ذلك، يُمكنُ القياس بشأن بقية القادة، أولادُ النظام وثُقاتُه، الأُمناءُ على تاريخ البلاد ومصيرها، الذين نجحوا بإفشال أهداف الحملة الشرسة عليهم. ولا بُدَّ لتجربتهم القاسية مع الحرب، من أن تكون قد رفدت صلابةَ انتمائهم القومي، بقدر ما أكسبتهم مُرونةً، في مواجهة التحديات الجسيمة، دون المساس بالخطوط الحمراء الوطنية، بدليل الحِنكة السياسية، التي أداروا بها المُفاوضاتَ مع الجانب الأميركي، بصبر حائك السجّاد المُحترف.
ومن نافل القول، إدراكُ القادة الإيرانيين الحاليين، لمدى الدمار الذي خلَّفته الحرب، على المُستويات العسكرية والعمرانية والإقتصادية .. كما لا يخفى عليهم وُجوبُ الإسراع بمُداواة الصراعات الداخلية، التي عضَّت على جراحها، أثناء الإعتداء الخارجي.
ومن إيجابيات الحرب، أنَّ القيادةَ الإيرانيةَ الجديدةَ، قد أظهرت أهليتَها للحفاظ على البلاد وعلى سيادتها، بقدر ما تساءلَ مُعارضوها عن هُويَّة العدو، بعد تأكُّدهم من زِيف وعود الولايات المتحدة، بتحريرهم من نظامهم، في وقتٍ صبَّت جامَ غضبها على بلادهم، مُمعنةً بتدمير مرافقها وأبسط قُدُراتها الدفاعية. وهذا الرصيدُ من دروس الحرب، من شأنه تشكيلُ مدخلٍ، لإقرار القادة الجُدُد بالحاجة إلى عقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ، يُلاقي تفهُّمَ المُعارضة لأهداف الحرب الحقيقية على بلادهم.
ويُستشفُّ من وقف فرض الحجاب، خارج المؤسَّسات الرسمية، والتوفُّر الخجول للمشروبات الكحولية .. بأنَّها مؤشِّراتٌ على براغماتية التخلُّص التدريجي من "التابوهات" المُكبِّلة، دلالةً على وُجود قناعةٍ بضرورة استعادة ثقة المواطنين بالدولة.
إنَّ الحربَ على إيران نزاعٌ ذو أبعادٍ دوليةٍ كبيرةٍ، لما تركته من ارتداداتٍ سياسةٍ وأمنيةٍ واقتصاديةٍ، غير محصورةٍ بالساحة التي دارت عليها. وكان بديهياً أنْ تكونَ إيرانُ ومحيطُها العربي، الأكثرَ تأثُّراً بهذا النزاع. فالحربُ زعزعتها وأضعفتها إلى حدٍّ بعيدٍ، وألحقت بالغَ الضرر بتحالُفاتها الإقليمية. كما ألحقت أضراراً بدول الخليج، وزادت في هواجسها الأمنية. ومع ذلك، تمكَّنت إيرانُ من امتصاص ضربات الحرب المُزلزلة، وبقي نظامُها حيّاً يُرزقُ، رُبَّما، بفضل مُغادرة قادتها الجُدد، سياسة الأسلاف الرمادية، وتجاسُرِهم على مهاجمة القواعد العسكرية الأميركية، وعلى الإمساك بخِناق "مضيق هرمز".
غالباً ما تُولَدُ القياداتُ التاريخيةُ، من رحم المحن والأزمات. فإيرانُ المأزومةُ، موعودةٌ بعشرات المليارات، بعد رفع العقوبات عنها، ما يُؤملُ أنْ تُغري بالإصلاح والإنفتاح، على يد قياديٍّ من قماشة القائد الصيني "دينغ شياو بينغ"، 1978- 1992، ينطلقُ، داخلاً وخارجاً، من محاسن اليقينيات الغيبية، إلى الإستثمار بالطاقات الإيرانية الواعدة، لتكونَ في خدمة الصالح الإيراني حصراً.
قد يكونُ من السذاجة الإعتقاد، بأنَّ إيرانَ، ما بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية عليها، ستبقى كما كانت قبل الحرب. إنَّها مهمَّةٌ شاقَّةٌ، لما تحملُه من إرثٍ عامرٍ بالسلبيات، إلّا إنَّها تستحقُ المحاولةَ، علَّ نجاحَها يزيدُ في عراقةَ التاريخ الفارسي.
*سفير سابق