Search Icon

لبنانُ "المُستجيرُ من الرَّمضاءِ بالنارِ"! *

منذ 8 ساعات

سياسة

لبنانُ المُستجيرُ من الرَّمضاءِ بالنارِ! *

الاحداث- كتب فيكتور الزمتر*

للمرَّة الأُولى، في تاريخ العلاقات اللُّبنانية الإسرائيلية، يتجسَّدُ الإعترافُ المُباشرُ والمُتبادلُ، بين البلدين بوثيقةِ رسميَّةٌ ممهورةٍ بتوقيعهما، تحت مُسمّى "اتفاق الإطار". فور توقيعه، عشية 26 يونيو الجاري، انشغلت وسائلُ الإعلام، بنشر التعليقات والقراءات المُتفاوتة، بين التأييد والإنتقاد، مع ترجيح ولادته ميّتاً، أخذاً بالإعتبارعجز لبنان، عن الوفاء بتعهّداته لجهة بسط سيادة الدولة، وحصر السلاح بقواها الشرعية.

لا يختلفُ اثنان على مرامي "اتفاقَ الإطار" البعيدة، لو اتسعَ مضمونُه لتفاصيلٍ، تتعلَّقُ بآليات تنفيذ بُنوده، مشفوعةً بجدول زمنيٍّ لمراحل الإنسحاب، بما يُسهِّلُ على لبنان تمريرَه داخلياً، نُشداناً للسلام. فلبنان يأملُ من الإتفاق، تحريرَ أرضه واستعادةَ سلامه وسيادته وأسراه، بينما تدَّعي إسرائيل أنَّها تُريدُ أنْ يعيشَ سكانُ مستوطناتها الشمالية بأمنٍ وأمانٍ.

إلّا إنَّ الغائبَ الحاضرَ، عنيتُ حزبَ الله، يعتبرُ أنَّ الإتفاقَ يستهدفُ بُنيتَه العسكرية، بقدر ما يستهدفُ بيئته اللَّصيقة، أي غالبية الطائفة الشيعية، حيث نجح بتوحيدها حول سردية استهدافها الوجودي. لذلك، ليس من المُهمِّ التنظيرَ طويلاً، حول حسنات الإتفاق أو مساوئه، بقدر ما يهمُّ التركيزُ على إمكانية تنفيذه. وهنا تكمنُ الجدليةُ على خلفية البُعد العسكري، بين رؤية إسرائيل للإتفاق على أنَّه مكسبٌ أمنيٌّ، بينما يرى حزبُ الله أنَّ سحبَ سلاحه مدخلٌ لتصفيته.

يندرجُ "اتفاقُ الإطار" في خانة تبادُل النوايا، بين الموقِّعَين عليه، برعاية الولايات المُتحدة، في سياق سيناريو مُتدرِّج المحطات، بلوغاً للإعتراف المُتبادل وإلغاء حالة العداء والحرب، وتطبيع العلاقات والعيش بسلامٍ وحُسن جوارٍ. وهذا لا يتمُّ قبل انسحاب إسرائيل من كامل التراب اللُّبناني، ما يعني استعادة لبنان لأراضيه المحتلَّة، تمهيداً لبسط سيادته على كامل أراضيه، وحصر السلاح بأيدي القوى الشرعية، واحتكار قرارات الحرب والسلم.

من هذا المنظار، يبدو توقُ الحكومة اللُّبنانية، لتحرير الأرض والإمساك بمصيرها مُبرَّراً، في ما لو صَفَتْ نوايا الموقِعَين الآخرَين، إسرائيل والولايات المتحدة، حيثُ تُعرفُ الأُولى بمُراوغتها وأطماعها، بينما تشتهرُ الثانيةُ بخذلان من وضعوا ثقتَهم بمصداقيتها، عدا تاريخها الطويل بدعم إسرائيل، ظالمةً كانت أو مظلومةً.

إنَّ ضِيق الأُفُق أمام لبنان، يعودُ، بالدرجة الأُولى، إلى تشرذم مُكوِّناته المُجتمعية، بسبب ولاءاتها إلى الخارج، ما أفقدَه أبسطَ أوراق القُوَّة على طاولة التفاوُض. فسُدسُ مساحة البلاد، مُدَمَّرٌ وتحت الاحتلال الغاصب، فضلاً عن مليون نسمةٍ من النازحين، وسط أزمةٍ اقتصاديةٍ خانقةٍ .. ولطالما خبرَ لبنانُ عدمَ احترام إسرائيل للمواثيق والإتفاقات السابقة، من اتفاق الهدنة، عام 1949، وُصولاً إلى القرار رقم 1701، عام 2006، وما بينهما من قراراتٍ أُمميةٍ، لم تساوِ، بنظر إسرائيل، ثمن الحبر الذي صِيغت به.

فقيمةَ الإتفاق، تكمنُ، ليس فقط في وجاهة أهدافه، بل في فُرَص تنفيذ مُندرجاته. فأمام استنساخ مشهد ما حلَّ بقطاع غزّة، وإسقاطه على أرض الجنوب اللُّبناني، يجدُ لبنانُ نفسَه مُخيَّراً بين القبول بما يُشبه الإستسلام، أو توسيع رقعة الإحتلال، مع مزيدٍ من الضحايا والدمار. إنَّها ترجمةٌ منطقيةٌ لاختلال الإلتزامات، نتيجة اختلال موازين القوى، ما يؤكِّدُ غلبةَ "منطق القُوَّةِ" على "منطق الحقِّ"، السائد في العالم، للأسف الشديد.

وما يُشكِّكُ بحُسن تنفيذ الاتفاق، استعجالُ الولايات المتحدة في إقراره، لإضعاف موقف إيران التفاوُضي، على بنود "مُذكَّرة التفاهم"، من خلال فصل المسار اللُّبناني عن المسار الإيراني. وهذا يتناقضُ، بشكلٍ فاضحٍ، مع موافقة واشنطن الخطية، على مضمون البند الأوَّل، من "مُذكَّرة التفاهُم"، الذي ينصُّ حرفيّاً على أنْ "تُعلنُ الولاياتُ المتحدةُ وإيرانُ وحلفاؤهما في الحرب الحالية .. الإنهاءَ الفوري والدائمَ للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان .. وضمان وحدة أراضي لبنان وسيادته".

على كلِّ حالٍ، ليست نُصوصُ الإتفاقات مُنزلةً، بل هي قابلةٌ للتعديل، متى صَفَت النياتُ، بما يسمحُ للإتفاق أنْ يُصبحَ قابلاً للتطبيق، لا أنْ يُشعلَ حرباً أهليةً، أو يُرمى في سلَّة المُهملات. ومع ذلك، يتوقَّفُ تنفيذُ الإتفاق، بالنسبة للبنان، على كيفية مقاربة مواطنيه له، بالوحدة الوطنية، ضنّاً بمصير البلاد، أو بالشرذمة ما يؤدّي إلى التهلكة والخراب.

ولا شكَّ بأنَّ العقبةَ الكأداءَ، أمام تنفيذ الاتفاق، تبقى في غياب حزب الله، الطرف المحوري الذي يقومُ عليه الاتفاق، نظراً لاشتراط إسرائيل نزع سلاح حزب الله، ثمناً لانسحابها من الأراضي اللُّبنانية. هذا إذا لم تُخرجْ إسرائيلُ مُطالباتٍ، لا تقلُّ عن ترتيباتٍ أمنيةٍ وتطبيعٍ واسعٍ، إن لم تتمكّنْ من أنْ تفرضَ معاهدةَ سلامٍ كاملة الأوصاف.

قد تكونُ الولاياتُ المتحدةُ مُهتمَّةً بخفض التصعيد، في بلاد المشرق، مُراعاةً لتطلُّعات دُوله، بعد اهتزاز الأمن الإقليمي والطاقوي، نتيجة الحرب على إيران. وهذا ما وضعَ مصالح واشنطن وتل أبيب، على طرفَي نقيضٍ، لمصلحة الأخيرة في إدامة الإضطراب السياسي، في مُحيطها الإقليمي، منعاً لمطالبتها بتقديم تنازُلاتٍ، وكي يبقى المحيطُ مُنشغلاً عن التوحُّد لمواجهة غطرستها.

ولا بُدَّ للمُراقب من أنْ يلفتَ انتباهَه، اهتمامُ الولايات المُتحدة المُفاجىء تجاه لبنان، لدرجةٍ دفعَت الرئيسَ ترامب إلى التلاسُن، أكثر من مرَّةٍ، مع نتنياهو، بسبب رفضه خفض التصعيد في لبنان. وغالبُ الظنِّ أنَّ هذا الإهتمامَ، نابعٌ من خوفه على آفاق التفاهُم مع إيران، لإدراكه بارتباط ورقة حزب الله العضوي معها. فالرئيسُ الأميركي حريصٌ على عدم العودة إلى الحرب مع إيران، عشية انتخابات الكونغرس النصفية.

وفي الختام، يتبارى اللُّبنانيون، قادةً وعامةً، برجم "اتفاق الإطار" بحجر، بحجَّة مُمالأته للمصالح الإسرائيلية، على حساب المصالح اللُّبنانية. ولكنْ، أما كانَ أولى أن نتساءلَ جميعاً، عمّا اقترفته انقساماتُنا جميعاً، بحقِّ الوطن من موبقاتٍ، أوصلته إلى هذا الدرك من الوهن والضياع، نتيجة تقديم مصالح الخارج، على مصالح الوطن؟
*سفير سابق