الاحداث- كتب يوسف صدقه*
يعاني الاتحاد الأوروبي منذ وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب من تحديات كبيرة وأساسية، أبرزها موقفه المتردد من الحرب الروسية-الأوكرانية، وعدم منحه أهمية كافية للتحالف مع دول الناتو، والأسلوب الفوقي الذي يتعامل به مع دول الاتحاد الأوروبي، متجاوزًا أحيانًا مبادئ الأمم المتحدة والقانون الدولي، وميلًا لعقد صفقات ثنائية على حساب التحالف الأوروبي التقليدي، القائم منذ الحرب العالمية الثانية عام 1945. والسؤال المطروح: هل يمكن لأوروبا أن تحلم بأن تكون مستقلة تجاه المخاطر التي تهددها؟
فمن جهة أخرى، استيقظت أوروبا على الهجوم الروسي على أوكرانيا في شباط 2022، وعلى المواقف الصادمة لترامب في منتدى دافوس حول غرينلاند، وعلى السخرية من دور الناتو في مواجهة الإرهاب في أفغانستان، وتعظيم القوة الأميركية على حساب ضعف الدول الأوروبية.
يرغب الاتحاد الأوروبي في إقامة أوروبا مستقلة من جميع النواحي العسكرية والاقتصادية. وإذا أرادت أوروبا تحقيق هذا الاستقلال، فهي بحاجة إلى استراتيجية مشتركة وقدرة على التعاون المشترك بين الدول الأوروبية. التحدي الأساسي يكمن في التوازن بين تعزيز موازنات التسلح أو التخلي تدريجيًا عن المكتسبات الاجتماعية، مثل التعليم والصحة والنشاطات الثقافية والاجتماعية
يرغب الاتحاد الاوروبي بقيام اوروبا مستقلة من كل النواحي العسكرية والاقتصادية، فالمطلوب اذا ما ارادات اوروبا الاستقلال، انجاز استراتيجية مشتركة، وقدرة على التعاون المشترك بين الدول الاوروبية. فالتحدي الاساسي، هو الخيار بين شراء الطائرات العسكرية وانتاج المسيرات، وبين الضغوط الاجتماعية التي تعاني منها الدول الاوروبية ، هناك خيار صعب يتمثل بين تعزيز موازنة التسلح، او التخلي تدريجياً عن المكتسبات الاجتماعية، من تعليم وطبابة ونشاطات ثقافية واجتماعية...
هذا وقد أجرت مؤسسة cluster الاوروبية ، استفتاء في ٧ بلدان اوروبية، وقد عبر 73% من المستطلعين، عن رغبتهم في انشاء دفاع ذات اوروبي مستقل عن الولايات المتحدة. ان اتباع اوروبا لامريكا يشكل كسيف ديمولكيس ، يطبق على كياناتها.فعلى الرغم من تراجع ترامب التكتيكي في دافوس عن المطالبة بملكية جزيرة غرينلند ، فان الولايات المتحدة من خلال مقاربة ترامب لا تشكل حليفا مهما بعد الان، وقد عبر اصدق تعبير عن الخلاف بين امريكا والناتو، رئيس وزراء كندا السيد Marc carney في دافوس، " والذي اشار الى ان قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت زائفة جزئيا ، وان الاقوياء كانوا يستثنون انفسهم منها، فيما يكون ذلك ملائما لهم، وان القواعد التجارية كانت تفرض بشكل غير متكافئ"،
واضاف :"ان القانون الدولي كان يطبق بصرامة متفاوتة، تعتمد على هوية المتهم او الضحية، واضاف انه في الآونة الاخيرة بدأت القوة العظمى باستخدام التكامل الاقتصادي سلاحا، والتعريفات الجمركية اوراق ضغط والبنية التحتية المالية لممارسة الإكراه".
وتابع مخاطبا الحضور: "لا يمكنكم العيش داخل كذبة المنفعة المتبادلة عبر التكامل حينما يصبح التكامل مصدراً لتبعيتكم...".
كما ان رئيس وزراء بلجيكا Bart de wever اعتبر ان الاندماج بين اوروبا والولايات المتحدة هو جزء من التبعية. " فالانسان السعيد التابع لولي الامر هو شيء مقبول الى حد ما، اما ان يكون الانسان عبداً بائساً، فهذا غير مقبول".
ازاء التحديات، فالمطلوب من اوروبا تحديد استراتيجياتها الاقتصادية والعسكرية للمستقبل، وان تحدد ارتباطها التكنولوجي والطاقوي. على اوروبا ان ترفع طاقاتها في مجال الذكاء الاصطناعي والامن الطاقوي ، لان ذلك هو الشرط الاساسي للشراكة المتوازنة مع امريكا. ففي عالم تحكمه امريكا والصين، على اوروبا ان تكون القوة الثالثة. وازاء التحدي الاميركي قامت المانيا بمحاولة التقارب مع روسيا والصين ودول الجنوب. فهل كل من المانيا وفرنسا وبعض دول الاتحاد هم قادرون على الخروج من État Providence للتمكن من المنافسة مع امريكا والصين ؟
في المحصلة النهائية، فإن ترامب ليس قدرا وقوة خارقة ، إذا ما قام الاتحاد الاوروبي وبعض دول الجنوب بمواجهته فهو يواجه معارضة امريكية من داخل الولايات المتحدة، في الكونغرس وفي المحاكم. وفي قضية جفري ابشتين والفضائح التي نشرتها وزارة العدل الاميركية.
فمواجهة الهجرة في مدينة مينابوليس بالعصا الغليظة أدّت الى احتقان في شوارع المدنية ، اعتراضا على سياسة ترامب في مجال الهجرة : وقد قامت عناصر من وكالة الهجرة والجمارك الامريكية (ICE) باطلاق النار اسفر عن مقتل مواطنين امريكيين مطلع كانون الثاني 2026 ، كل ذلك سيؤثر على الانتخابات النصفية في الكونغرس في تشرين الاول المقبل.
فالمطلوب هو شراكة امريكية اوروبية في الحد الادنى وليس عقد اذعان كما تريده الادارة الاميركية الحالية .
*سفير سابق