Search Icon

ترامب والنظام الدولي: سياسة الصدمة وتحوّلات موازين القوّة العالمية

منذ ساعة

أقلام حرة

ترامب والنظام الدولي: سياسة الصدمة وتحوّلات موازين القوّة العالمية

الأحداث – كتب د. ڤيكتور الزمتر*

منذ عامٍ ونيّف، والأرض تدور دورتها اليومية، تاركةً مسرحها خلوًا لبطلٍ واحدٍ أحد، «مالئ الدنيا وشاغل ناسها»، في مسرحية One Man Show، سمِجَة في ظاهرها، لكنها تستبطن عزمًا على تعديل مسار العلاقات الدولية.

هذا الاستهلال ليس لتقديم أبي الطيب المتنبي، بل الرئيس دونالد ترامب، الذي بأسلوبه «الآمر الناهي» لا ينفكّ يربك العالم ويذهله.

ومع اعتياد المجتمع الدولي تفوّق منطق القوّة على منطق الحق، تكوّنت لدى المحلّلين قناعة بغياب العقلانية والاتساق مع الأعراف والشرائع في سياسة الرئيس ترامب، الداخلية والخارجية. وبينما يحلو للبعض توصيف هذه السياسة بـ«الفوضى الخلّاقة»، عبر اعتماد الإقدام على الخطوة الأولى ثم الإحجام، في دلالة على ضعف الإعداد للخطوة التالية، يرى آخرون فيها عودة إلى النفس الاستعماري، إن لم يكن إلى زمن الملكيات المطلقة، حيث تسمو المصالح الخاصة على الصالح العام.

وتكمن خطورة الأمر في استكانة غالبية الدول لـ«قفشات» البطل، تجنبًا لغضبه أو خوفًا من عدوانيته. إن سلبية التعاطي مع سياسة الفرض من شأنها تقويض قواعد النظام العالمي وتشريع تطويعه خدمة لشهوات التسلّط والاستغلال، وهو النظام ذاته الذي جهدت واشنطن في إقامته.

وعليه، أدخلت وسائل الإعلام مصطلح «عقيدة دونرو»، محاكاةً لمصطلح «عقيدة مونرو»، في إشارة إلى دعوة الرئيس الأميركي الأسبق جيمس مونرو عام 1823 إلى تفرد نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي تحت شعار «أميركا للأميركيين». يومها، كانت الدعوة رفضًا للتدخل الأوروبي في المستعمرات الأميركية، أما اليوم فتستند واشنطن إلى حجة التغلغل الصيني والروسي في «حديقتها الخلفية».

وقد انشغل العالم الأسبوع الفائت بـ«منتدى دافوس الاقتصادي العالمي»، حيث صال وجال الرئيس ترامب معددًا إنجازاته الداخلية والخارجية، ومتخذًا من المنتدى منبرًا لإعلان «مجلس السلام» حول غزة. إلا أنه لم يحسب حساب جاره اللصيق، رئيس الوزراء الكندي مارك كارني، المتحسّس من مطالبة ترامب بضم بلاده إلى الجار الجنوبي.

وبخلفياته الاقتصادية والبرلمانية والمصرفية، أطلّ كارني على المنتدى بمظهر المنقذ العارف بتلابيب اللعبة الاقتصادية ومناورات التعرفات الجمركية، فتجرأ على نعي النظام الدولي القائم منذ عقود بقيادة الولايات المتحدة، متهمًا القوى العظمى باستخدام الاقتصاد لفرض هيمنتها. ودعا الدول المتوسطة القوة إلى إعادة تموضعها الاستراتيجي للنجاة من الإكراه والتسلّط، معتبرًا أن الاعتماد على التكامل الاقتصادي يؤدي إلى «التبعية لا الشراكة».

ولم يتردد في المجاهرة بـ«تراجع الهيمنة الأميركية»، مضيفًا أن على بلاده اتباع نهج «مبدئي وواقعي» عبر تعزيز قدراتها الداخلية وتنويع شراكاتها التجارية لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة.

وبعد رثائه مؤسسات التعددية الدولية المعنية بالتجارة والصحة والمناخ، دعا الدول المتوسطة القدرات والمتشاركة في المصالح والقيم إلى التحالف وتنويع انفتاحها التجاري على مختلف القارات، محذرًا من الارتهان للقوى المهيمنة، لأن هذه الدول «إن لم تكن على الطاولة، ستكون طبقًا على قائمة الطعام».

ولم تغب قضية «غرينلاند» عن خطابه، إذ أعلن بحزم وقوف بلاده إلى جانب الدنمارك في مواجهة تهديدات الرئيس الأميركي. كما انطوى خطابه على اعتراف ضمني بسكوت كندا سابقًا عن تجاوزات القوى الكبرى بحق الدول المتوسطة والصغيرة، مؤكدًا أن «الحنين إلى النظام الدولي الآفل ليس استراتيجية»، ومعبّرًا عن أمله في أن ينبثق من ركامه «نظام أفضل وأقوى وأكثر عدلًا».

هذا الخطاب المستفز، من منظور الرئيس ترامب، استدعى تهديده بفرض رسوم بنسبة 100% على الصادرات الكندية في حال مضت أوتاوا باتفاقها التجاري الحديث مع الصين. وتكمن أهمية هذا الموقف في تماهيه مع قناعة أوروبية وازنة بأن العلاقة مع الولايات المتحدة قد انكسرت، وبات البحث عن شراكة أكثر توازنًا ضرورة.

ومع ذلك، يبقى السؤال حول قدرة كندا على الذهاب بعيدًا في استفزاز جارها القوي، وتجاوز معوقات الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد، إلا إذا كان الرهان على الصمود لثلاث سنوات بانتظار انقشاع «غيمة ترامب» مع وصول رئيس جديد إلى البيت الأبيض.

لقد وسّعت الرعونة السياسية منسوب الارتياب المتزايد بين ضفتي الأطلسي، ما شجع الاتحاد الأوروبي، بعد اتفاق كندا مع الصين، على إقامة منطقة تجارة حرة مع الهند مطلع هذا الأسبوع، بالتوازي مع اتفاقية شراكة أمنية دفاعية، حماية لما يقارب ملياري نسمة من «المنافسة الصينية وتداعيات الحرب التجارية الأميركية».

تتسارع قفزات الرئيس ترامب بين قارة وأخرى، والمقصد واحد: تجميع رصيد من النجاحات لتسييله في الانتخابات النصفية الأميركية في تشرين الثاني المقبل، والتي يُنتظر أن تحسم الأغلبية في الكونغرس، إما تثبيتًا للأغلبية الجمهورية الحالية أو انتقالها إلى الديمقراطيين بما يحدّ من نزعة الجموح.

لن يمر التاريخ الأميركي على ذكر الرئيس دونالد ترامب مرور الكرام، بل سيفرد حيزًا لشخصيته الصدامية، قبل أن يخلص إلى أنها نتاج بيئة محافظة مطعّمة ببعد قومي ليبرالي نافِر.

وإذا سلّمنا بأن «الأسلوب هو الإنسان» (le style c’est l’homme)، كما يقول الفيلسوف الفرنسي كونت دو بوفون، فإن الأسلوب هو تجسيد لعصارة الفكر المستقى من التنشئة ووجدان البيئة.

ومن الطبيعي أن تكون الشخصية الصدامية موضع انقسام حاد بين معجب ورافض، من دون مساحة رمادية. لكن المرجّح أن يُدخل النجاح صاحبه التاريخ بمرتبة الشرف، أو يزوي الفشل صاحبه في زوايا التاريخ المهملة.

قد يكون مبكرًا التكهن بمآلات «ظاهرة» دونالد ترامب المتأرجحة راهنًا بين النجاح والفشل. ففي فنزويلا، لا بد من أخذ الحساسية التاريخية لشعوب أميركا اللاتينية تجاه غطرسة الإدارات الأميركية في الاعتبار. أما في أوروبا، فثمة إجماع على التوجس من إدارة الظهر للشراكة مع واشنطن. فهل نشهد ائتلافًا بين كندا وأميركا اللاتينية وأوروبا للوقوف بكرامة في وجه سياسة الهيمنة؟

بانتظار الجواب، يصحّ في الاضطراب الخطير الذي أحدثته «الظاهرة الترامبية» في العلاقات الدولية قول زهير بن أبي سلمى:

رأيتُ المنايا خبطَ عشواءَ من تُصِبْ  

                                  تُمِتْهُ ومن تُخطِئ يُعمَّر فيهرَم

*سفير سابق