الاحداث - سمير سكاف*
تجري المفاوضات للوصول الى السلام بين الأعداء وليس بين الاصدقاء.
ولكن المشكلة في لبنان ليست بالتفاوض نفسه بل بالانتظارات المتعلقة بالفترة الزمنية من هذا التفاوض!
فحزب الله لا يمانع من التفاوض غير المباشر. ما يعني أن المشكلة بالنسبة له هي بشكل التفاوض، وليس بالتفاوض نفسه!
ولكن، من ينتظر نتيجة سريعة من التفاوض المباشر تؤدي الى وقف فوري لإطلاق النار ولانسحاب إسرائيل من الخط الأصفر في غضون أسابيع أو حتى في غضون أشهر سيُصاب بخيبة كبيرة! سواءً من السلطات اللبنانية أو من حزب الله أو من الرأي العام اللبناني، أو الدولي!
إن أهمية التفاوض اللبناني المباشر مع إسرائيل هي في البعد المستقبلي لهذا التفاوض، لجهة دخول لبنان مستقبلاً في مرحلة سلام وازدهار وخروج من أزمنة الحروب والدمار "المستدامة"، واسترجاع كل الأراضي اللبنانية وإعادة إعمار لكل ما تهدم، وعودة الأهالي الى قراهم... وهذه "الطبخة" تحتاج لوثت طويل كي تنضج!
ولتحقيق ذلك هناك العديد من الدوافع الأساسية التي تبرر ذهاب السلطة اللبنانية للتفاوض المباشر مع إسرائيل. ومنها:
*أ - في الواقع الميداني والواقعية السياسية:*
*1 - لأن حزب الله لم ينجح بمنع اسرائيل من احتلال 10% من الأراضي اللبنانية.*
ومن المرجح أن تتوسع اسرائيل باحتلالاتها لكي تشمل قريباً، وعلى سبيل المثال لا الحصر، مدينة النبطية.
*2 - لأن لا لبنان الرسمي ولا حزب الله قادران على فرض انسحاب اسرائيل من لبنان بالقوة.*
كانت المشكلة بعد اتفاق وقف إطلاق النار 2024 في 5 نقاط. وهي أصبحت تقديرياً اليوم في حوالى 800 كم مربع.
*3 - لأن لا لبنان الرسمي ولا حزب الله قادران على منع اسرائيل من الاستمرار باعتداءاتها على لبنان، وخاصة على بلدات الجنوب اللبناني.*
*4 - لأنه لا تستطيع إيران سوى حماية مؤقتة لبيئة حزب الله، وللضاحية الجنوبية فقط!*
لم تستطع لا إيران ولا حزب الله، ولا حتى إرادة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض معادلة وقف إطلاق النار مع إسرائيل في غير الضاحية الجنوبية لبيروت.
في حين لا يسري وقف إطلاق النار لا على الجنوب ولا على البقاع الغربي ولا على البقاع الشمالي.
وتبيّن أن وحدة المسارين بين إيران وحزب الله تسري في الضاحية الجنوبية لبيروت فقط لا غير!
*5 - لأن قدرة حزب الله العسكرية قد تراجعت جداً*
فقد تراجعت قدرات حزب الله العسكرية جداً منذ حرب إسناد غزة واغتيال السيد حسن نصرالله والسيد هاشم صفي الدين واغتيال كل قادة حزب الله العسكريين من أصحاب الخبرات الكبيرة في الصفوف الثلاثة الأولى على الأقل، وعملية البيحرز، وعملية اللاسلكي، ووقف إطلاق النار 2024، واستهداف الأنفاق ومخازن الذخيرة...
ولأن حزب الله فقد "الدعم السياسي" الكبير له، وفقد اللوجستية لسلاحه ولصواريخه، بسقوط حليفه الأساسي، أي بسقوط نظام الأسد في سوريا.
ولأنه أصبح هناك في سوريا نظام معادٍ لحزب الله يمكن أن يتحرك ضده عسكرياً، كما ألمح الرئيس الأميركي دونالد ترامب منذ أيام.
وذلك، على الرغم من الشجاعة الكبرى لمقاتلي الحزب في المواجهات وعلى نجاح درونات ال FPV في تكبيد الاسرائيلي خسائر كبيرة.
*6 - لأن حزب الله لم يستطع تكريس واقعاً ميدانياً يمنع به اسرائيل من تدمير الجنوب*
دمرت اسرائيل أكثر من 70 بلدة جنوبية! ولم يتمكن حزب الله من منع تهجير أكثر من مليون لبناني من بيئته بشكل أساسي، ومن منع اسرائيل من تدمير حوالى 100.000 وحدة سكنية!
*7 - لأن لبنان يدفع فاتورة حرب إسناد ليست حربه!*
تماماً كما فعل في حرب الإسناد السابقة بعد عملية 7 أكتوبر.
*8 - لأن لبنان الرسمي يريد المحاولة أن يصل بالديبلوماسية، بتأييد شعبي واسع، ما لم يصل إليه بالحروب العسكرية.*
*9 - لأن السلام أصبح ممكناً بالتفاوض بعدما كان مستحيلاً بالحرب!*
*10 - لأن المحور الإيراني لم يعد قادراً على دعم حزب الله عن بُعد*
ولأن طرق اللوجستية مع طهران، وبخاصة البرية منها أصبحت مقطوعة!
*11 - لأن الولايات المتحدة الأميركية تحمي مطار بيروت*
لا حزب الله ولا السلطة اللبنانية، هي من تؤمن، ولا قادرة أن تؤمن، حماية مطار رفيق الحريري الدولي وحماية البنية التحتية اللبنانية من تدمير إسرائيل لها.
هناك أيضاً أبعاد اقتصادية، وسيادية، وعربية، ودولية تجعل أيضاً من التفاوض مصلحة حيوية للبنان. وبينها:
*ب - البعد الاقتصادي والإعماري*
*12 - لأن كلفة إعادة الإعمار تتطلب غطاءً دولياً وعربياً*
لا يمكن للبنان البدء بإعادة بناء ما دمرته الحرب (أكثر من 100 ألف وحدة سكنية والبنية التحتية) من دون استقرار أمني تضمنه اتفاقية تفاوضية، تحفز الدول المانحة والخليجية على الاستثمار وضخ الأموال.
*13 - لإنقاذ ما تبقى من الاقتصاد اللبناني*
إن الاستمرار في حالة الحرب أو "اللاحرب واللاسلم" يمنع أي فرصة لتعافي الاقتصاد، ويقضي على قطاعات حيوية كالسياحة والخدمات، ويزيد من انهيار العملة الوطنية.
*14 - للاستفادة من الثروات البحرية والنفطية*
لبنان بحاجة إلى بيئة آمنة ومستقرة تماماً لاستئناف عمليات التنقيب عن الغاز والنفط في بلوكاته البحرية، وهو أمر لا يمكن تحقيقه مع استمرار التهديدات العسكرية المتبادلة.
*ج - السيادة ومفهوم الدولة*
*15 - لإعادة الاعتبار لمنطق "الدولة" والدستور*
إن التفاوض الرسمي يحصر قرار السلم والحرب بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، ويعيد للجيش اللبناني دوره الأساسي في حماية الحدود وبسط السيادة، مدعوماً بالقرارات الدولية (مثل القرار 1701).
*16 - لأن التفاوض لا يعني الاستسلام بل تثبيت الحدود*
إن التفاوض الديبلوماسي هو أداة قانونية لتثبيت الحدود البرية اللبنانية المعترف بها دولياً (خط الهدنة لعام 1949)، واستعادة النقاط المتنازع عليها (كمزارع شبعا وتلال كفرشوبا) عبر القانون الدولي وليس عبر حروب استنزاف مستمرة.
*د - الواقع الاجتماعي والديمغرافي*
*17 - لتأمين عودة آمنة ومستدامة للنازحين*
منعاً لترسيخ واقع التهجير وتحوله إلى أزمة ديمغرافية واجتماعية طويلة الأمد في مناطق النزوح، وهو ما لا يمكن حله إلا بوقف دائم وشامل لإطلاق النار تضمنه اتفاقية دولية.
*ه - المتغيرات الإقليمية والعمق العربي*
*18 - لأن البيئة الإقليمية تتبدل نحو "تصفير الأزمات"*
ينبغي للبنان ألا يظل الساحة الوحيدة المشتعلة في الشرق الأوسط، في وقت تتجه فيه المنطقة (بما فيها دول الخليج ومحيط لبنان) نحو عقد اتفاقيات اقتصادية وتفاهمات إقليمية كبرى تركز على التنمية والاستقرار.
*19 - لأن التفاوض يحمي لبنان من العزلة الدولية*
إن الانخراط في العملية الديبلوماسية يبقي لبنان تحت مظلة الشرعية الدولية ويمنع تحوله إلى "دولة مارقة" أو ساحة منسية ومتروكة للآلة العسكرية الإسرائيلية من دون رادع سياسي.
*20 - لأن ظروف عام 2000 تغيرت*
في زمن الشرق الأوسط الجديد والأحادية الاميركية في المنطقة وخروج روسيا منها، وفي زمن "الأمن الاسرائيلي"، وزمن ضرب إيران، ورد إيران للضربات... تغيرت معظم الظروف في المنطقة لغير صالح حزب الله ولبنان، وهي أصبحت لصالح إسرائيل.
*3 ثوابت ونتيجة واحدة!*
3 ثوابت تحكم واقع لبنان في الأشهر (وعلى الأرجح في السنين) المقبلة، وهي:
*1 - لن تتوقف الحرب في لبنان عما قريب.*
*2 - لن تنسحب اسرائيل من لبنان عما قريب.*
*3- لن يتوقف حزب الله عن الاستمرار بالمواجهة العسكرية لاسرائيل!*
وعليه من الضروري أن يتكيّف اللبنانيون كما التفاوض المباشر بين لبنان واسرائيل مع هذه "الثوابت"!
بدأ زمن الديبلوماسية، ولكن لم يأتِ زمن الحسم بالديبلوماسية بعد! فالكلمة الطولى ما تزال في الميدان... ولوقت يبدو طويلاً!
*كاتب وخبير في الشؤون الدولية