الأحداث - كتب نبيل بومنصف في صحيفة النهار يقول : لولا التطورات "الثورية" الطارئة التي سادت وتسود لبنان في الأيام الأخيرة لخلنا جميع اللبنانيين وكأنهم "تفرغوا " امام الشاشات لمتابعة إحدى اهم الرحلات البابوية قاطبة التي قام بها البابا فرنسيس للعراق. ليس لانه فقط البابا فرنسيس الذي يردعك اسمه وحده عن الإسهاب في أوصاف تكاد تقارب تقديسه وهو يستحقها، بل لان ما بين لبنان والعراق تلك الرابطة القوية للغاية التي غذتها وحدة معاناة وشبه كبير في التجارب بالإضافة الى تنوع وتعدد في التركيبة الأصلية قبل ان تدهمها كوارث التهجير والمجازر والتفريغ والفرز السكاني والطائفي. الامر اذن لا يثير كثير غرابة ان شدنا اللبنانيين البابا الأكثر اجتذابا وسحرا بعد البابا يوحنا بولس الثاني من جهة، ومعاينة العراق في عرس استقباله من جهة أخرى ولو اننا لسنا واثقين من ان يوميات الغضب اتاحت للكثير من اللبنانيين التعمق في رحلة بابوية أعادتنا الى الزيارة الأولى التي قام بها يوحنا بولس الثاني للبنان في التسعينات وكان تماما كالعراق اليوم في مرحلة النهوض المتعبة والشاقة من الحرب. بهذا الخط البياني الذي يقيمه الفاتيكان بين حقبات التاريخ نخال زيارة البابا فرنسيس للعراق وكأنها فاقت واخترقت كل التوقعات المسبقة من خلال اعظم ما احدثته من ترددات مدوية اعادت الى العراق التاريخي الضارب في اعمق الحضارات واقدمها واغناها بريقا افتقده تحت وطأة الحروب والتمزق والإرهاب والدماء والدمار. بثلاثة أيام جوالة في عمق هذا البلد العريق في تاريخه وارثه الحضاري والذي فعلت فيه الحروب الاهلية والاحتلالات الخارجية وداعش أسوأ مما حل بلبنان قدم البابا فرنسيس المسحة الساحرة للسلام الأبيض والإرادة التي لا تهون في الوقوف بمواجهة قهر الانسان والشعب بصرف النظر عن الطائفة والمذهب والاتنية. سبق للبنان ان تلقى هديتين تاريخيتين من هذا المستوى الذي لا يفوقه أي مستوى أخر في اعلى سلم الأولويات الفاتيكانية التاريخية. زاره يوحنا بولس الثاني متوجا اكتمال الإرشاد الرسولي الذي قدمه الى اللبنانيين من حريصا مع البطريرك التاريخي رمز الحركة الاستقلالية السيادية اللبنانية مار نصرالله بطرس صفير. وزاره أيضا البابا بينديكتوس السادس عشر نافحا فيه مزيدا من الدعم الروحي والمعنوي والسياسي. وها ان البابا فرنسيس يزف الى اللبنانيين يوم عودته من العراق بالذات بشرى زيارته المقبلة للبنان بناء على إلحاح البطريرك الراعي الذي بات يدرك انه ربما لن يقف انزلاق لبنان الى نهاية النهايات الدراماتيكية الا بجرعة انقاذ استثنائية كبيرة من حجم زيارة تاريخية للبابا فرنسيس للبنان. حتما سنهلل مع جميع اللبنانيين لحدث فرح نادر كهذا وسط ظلمات الكوارث التي تتهدد لبنان "بأزمة وجود" كما وصفها البابا فرنسيس نفسه.
ولكن ذلك لن يردعنا عن الإفصاح المبكر عن هواجس تحمل مبرراتها ودوافعها من التجارب السابقة كما من الوقائع الحالية. لقد سحق لبنانيون، ولا نقول "اللبنانيون" تعميما، مفاعيل زيارتين بابويتين لبلدهم بما لم يقو حتى أعداء على فعله بدليل ان اعظم الامال التي علقت على الإرشاد الرسولي والزيارتين ذهبت ادراج الرياح مع دولة لم تقم وهجرة تفاقمت وانهيارات تتهدد كينونة لبنان. فماذا ترانا سنهيء للزيارة البابوية الثالثة التاريخية في اقل من ثلاثة عقود اذا صار أقصى الطموحات ان تتحول الى جرعة تنفس أخيرة؟
======