Search Icon

وزارة الطاقة تحت المجهر: هدر مليارات الدولار وسدّ المسيلحة نموذج الفشل وإشارات لتدقيق جنائي

منذ ساعتين

سياسة

وزارة الطاقة تحت المجهر: هدر مليارات الدولار وسدّ المسيلحة نموذج الفشل وإشارات لتدقيق جنائي

الاحداث- كتبت ليلى خوري

لطالما شكّل ملف الطاقة في لبنان أحد أبرز عناوين الهدر المالي وسوء الإدارة، حتى بات رمزًا للأزمة البنيوية التي تعانيها الدولة. فعلى مدى عقود، استنزف هذا القطاع مليارات الدولارات من الخزينة العامة، من دون أن ينجح في تأمين كهرباء مستقرة أو خدمة توازي حجم الإنفاق، ما فاقم العجز المالي وراكم الدين العام.

الهدر في وزارة الطاقة لم يكن وليد ظرفٍ واحد أو حكومة بعينها، بل نتاج سياسات متراكمة، وقرارات مؤجّلة، وخطط لم تُنفَّذ، وأخرى نُفّذت من دون رقابة فعّالة أو محاسبة واضحة. بدءًا من عقود الإنتاج والتشغيل، مرورًا بملف البواخر، وغياب الصيانة المستدامة للمعامل، وصولًا إلى ضعف الجباية والتعدّيات على الشبكة، تكوّنت منظومة كاملة من الخسائر المباشرة وغير المباشرة.

ولا يقتصر الهدر في وزارة الطاقة على ملف الكهرباء وحده، بل يمتدّ إلى مشاريع السدود التي استنزفت بدورها مبالغ طائلة من المال العام من دون تحقيق الأهداف المعلنة. ويُعدّ سدّ المسيلحة المثال الأبرز على ذلك، إذ أُنفقت عليه عشرات ملايين الدولارات وسط اعتراضات علمية وبيئية منذ لحظة إطلاقه، حذّرت من عدم ملاءمة الموقع الجيولوجي ومن ضعف الجدوى المائية للمشروع.

فعلى الرغم من التقارير التي أشارت إلى طبيعة الأرض الكارستية في المنطقة، وما تسبّبه من تسرّب المياه وعدم القدرة على التخزين الفعلي، استمرّ تنفيذ المشروع من دون معالجة جذرية لهذه الإشكاليات، ما حوّل السدّ إلى عنوان للهدر بدل أن يكون موردًا استراتيجيًا للمياه. كما أُثيرت تساؤلات حول الكلفة المرتفعة للأعمال الإضافية وأشغال الصيانة المتكرّرة، في مقابل نتائج محدودة على صعيد تأمين المياه.

من هنا، تبرز أهمية إعلان وزير الطاقة جو صدي، خلال اجتماع للجنة المال النيابية، عن مساعيه لتأمين اعتمادات لإجراء تدقيق جنائي شامل في الوزارة. فالتدقيق، إذا نُفّذ بجدّية واستقلالية، لا يشكّل خطوة إدارية فحسب، بل مدخلًا أساسيًا لكشف مكامن الخلل، وتحديد المسؤوليات، والتمييز بين الخطأ الإداري والسياسات الفاشلة، وبين الفساد إن وُجد.

كما أنّ الوزير صدي يعمل باحترافية عالية كرجل دولة بعيدًا عن الكيدية السياسية، حيث طلب مؤخرًا تمويلاً لإجراء دراسة شاملة على سدّين من أصل أربعة سدود متوقف العمل فيهما وهم سد بلعة، سد بقعاتا ، سد المسيلحة(بيد القضاء) وسد جنة، في خطوة تهدف إلى تقييم جدوى المشاريع ومحاسبة الهدر قبل المضي في أي أعمال مستقبلية.

غير أنّ التدقيق وحده لا يكفي. فالمطلوب أن يُستكمل بإرادة سياسية حقيقية للمحاسبة، وبإصلاحات بنيوية تضع حدًا لمنطق الترقيع، وتنقل قطاع الطاقة من ساحة استنزاف إلى رافعة اقتصادية. كما يبقى القضاء عنصرًا حاسمًا في تحويل نتائج أي تدقيق إلى مسار عدالة فعلي، بعيدًا من الانتقائية أو التسويات.

إنّ ملف الهدر في وزارة الطاقة، من الكهرباء إلى السدود، هو اختبار جدي لصدقية الدولة في مرحلة الانهيار. فإما أن يشكّل التدقيق الجنائي نقطة تحوّل تُعيد الاعتبار للمحاسبة وحكم القانون، وإما أن يُضاف إلى لائحة الفرص الضائعة التي يدفع ثمنها اللبنانيون يومًا بعد يوم.