Search Icon

ورقة بحثية لملتقى التأثير المدني و«كونراد آديناور»: الأمن القومي اللبناني بين السلاح الموازي والصراعات الإقليمية

منذ ساعة

سياسة

ورقة بحثية لملتقى التأثير المدني و«كونراد آديناور»: الأمن القومي اللبناني بين السلاح الموازي والصراعات الإقليمية

الاحداث-  في إطار التعاون بين ملتقى التأثير المدني ومؤسَّسة كونراد آديناور - لبنان حول مسار "الأمن القومي اللّبناني: مقاربات دستوريّة متعدّدة الاختصاصات"، نشرت المؤسَّستان ورقة عمل تحت عنوان "الأمن القومي اللّبناني: الأمن القومي اللبناني - بين مطرقة السِّلاح الموازي وسندان الصِّراعات الإقليميَّة!".
الورقة التي أعدّها العميد الركن المتقاعد سعيد القزح صدرت باللّغتين العربيَّة والإنكليزيَّة جاء فيها: "يُعتبر لبنان حالةً فريدةً في مجال الأمن القوميّ والمقاربات الاستراتيجيَّة. النِّظام السِّياسيّ التَّوافقيّ المتجذِّر في التَّعدُّديَّة الطَّائفيَّة، منع قيام دولةٍ عصريَّةٍ حديثة، تقوم على مبدأ المواطنة، والولاء للوطن. في حين أنَّ موقع لبنان الجغرافيّ يضعه مباشرةً في خضمِّ الصِّراع العربيّ الإسرائيليّ، ووسط تنافساتٍ إقليميَّةٍ ودوليَّةٍ معقَّدة. وقد أدَّت هذه الظُّروف مجتمعةً إلى بيئةٍ أمنيَّةٍ معقَّدة، إذ تشاركت المؤسَّسات الرَّسميَّة للدَّولة، الجيش وقوَّات الأمن، مع بنىً عسكريَّةٍ موازية. في الماضي، تجسَّدت في المنظَّمات الفلسطينيَّة والفصائل المسلَّحة اللُّبنانيَّة المتحالفة مع دولٍ ومحاور خارجيَّة واحتلالاتٍ إسرائيليَّةٍ وسوريَّة. أمَّا اليوم، فيمثِّلها حزب الله الذي بدأ تشكيله في العام 1982، وأعلن رسميًّا في العام 1985، بذريعة مقاومة الاحتلال الإسرائيليّ لجنوب لبنان قبل عام 2000. ومع مرور الوقت، أصبح معضلةً هيكليَّةً للبلاد، ممَّا يثير تساؤلاتٍ جوهريَّةً حول من يملك سلطة إعلان الحرب والسِّلم، ومن يمثِّل الإرادة السِّياديَّة للدَّولة اللُّبنانيَّة. "
ويستطرد الكاتب: " في لبنان، تعاني الدَّولة من عقدة نقصٍ وقصورٍ تجاه القوى غير الشَّرعيَّة. بالرَّغم من أنَّ الجيش اللُّبنانيّ وقوَّات الأمن ملتزمون بعقيدةٍ وطنيَّةٍ ويحافظون على مستوىً عالٍ من الاحترافيَّة، إلَّا أنَّهم على أرض الواقع يواجهون مناطق جغرافيَّة شاسعة وقضايا أمنيَّة أو استراتيجيَّة خارجة عن سيطرتهم الفعليَّة. بمرور الوقت، أدَّى تراكم هذه "المنظَّمات العسكريَّة الرَّديفة" إلى إدارةٍ مشوَّهةٍ للسُّلطة. بدأ هذا مع الوجود المسلَّح الفلسطينيّ، لا سيَّما بعد اتِّفاقيَّة القاهرة عام 1969، الذي تنازلت الدَّولة اللُّبنانيَّة بموجبه عن سيادتها في منطقة العرقوب وعلى المخيَّمات الفلسطينيَّة داخل لبنان، وتبعه اجتياحٌ واحتلالٌ إسرائيليٌّ متكرِّر منذ العام 1978، ودخول جيش النِّظام السُّوريّ السَّابق إلى لبنان في العام 1976 بواسطة جيش التَّحرير الفلسطينيّ ولاحقًا بغطاء قوَّات الرَّدع العربيَّة، التي انسحبت منها الدُّول المشاركة كافَّة، باستثناء القوَّات السُّوريَّة، والتي سيطرت على الحياة السِّياسيَّة والأمنيَّة والاجتماعيَّة في لبنان وأدارتها حتَّى العام 2005 تاريخ استشهاد الرَّئيس رفيق الحريري وانسحابها من لبنان، واستمرَّ مع توسُّع القوَّة العسكريَّة لحزب الله بعد عام 1982، بذريعة مقاومة الاحتلال الإسرائيليّ للمناطق الجنوبيَّة. والنَّتيجة هي نموذجٌ تفتقر فيه السُّلطة المركزيَّة إلى الحقِّ الحصريّ في الرَّدع أو المبادرة العسكريَّة. "
ويضيف الكاتب: "تشكِّل وثيقة الوفاق الوطنيّ التي وقّعها النوّاب اللّبنانيّون في مدينة الطَّائف عام 1989، المرجع الدُّستوريّ المعاصر للجمهوريَّة اللُّبنانيَّة. وقد أنهت الحرب اللُّبنانيَّة على أساس مبدأ "لا غالب ولا مغلوب". وكانت بنودها المتعلِّقة بالأمن والسِّيادة واضحةً وحاسمة. وبموجب البند الأوَّل من الفقرة الثَّالثة، كان من المقرَّر حلُّ جميع الميليشيات اللُّبنانيَّة وغير اللُّبنانيَّة وتسليم أسلحتها إلى الدَّولة اللُّبنانيَّة في غضون ستَّة أشهرٍ من التَّصديق على الوثيقة. كما كان من المقرَّر أن تبسط الدَّولة اللُّبنانيَّة سلطتها على كامل الأراضي اللُّبنانيَّة، بواسطة قواها الذَّاتيَّة. تمَّ استثناء حزب الله لاحقًا من هذا البند بذريعة "المقاومة" التي تهدف إلى تحرير الأراضي المحتلَّة في جنوب لبنان، وسط ضغوطٍ من الاحتلال السُّوريّ آنذاك. إلَّا أنَّه من النَّاحية الدُّستوريَّة والقانونيَّة الصِّرفة، فإنَّ بقاء أيِّ تشكيلٍ عسكريٍّ خارج إطار القوَّات المسلَّحة الرَّسميَّة، يمثِّل خروجًا عن روح ونصِّ اتِّفاق الطَّائف، الذي تجسَّد في الدُّستور اللُّبنانيّ في العام 1990، والذي يربط الاستقرار والأمن، ببسط سلطة الدَّولة وحدها على كامل الأراضي اللُّبنانيَّة بواسطة قواها الشَّرعيَّة. في أعقاب احتلال بيروت بعد أحداث 7 أيَّار 2008، واتِّفاقيَّة الدَّوحة التي تلتها، أدرجت الحكومات اللُّبنانيَّة المتعاقبة صيغة تسويةٍ تُعرف بمعادلة "الجيش والشَّعب والمقاومة" في بياناتها الوزاريَّة. وبذلك، منحت شرعيَّةً سياسيَّةً لسلاح حزب الله. إلَّا أنَّ هذه المعادلة، من النَّاحيتين الاستراتيجيَّة والدُّستوريَّة، تنطوي على عيوبٍ جوهريَّة "
ويختم القزح: " يواجه لبنان في اللَّحظة الرَّاهنة خيارًا وجوديًّا حاسمًا. فالنَّموذج الذي قام على "تعايش الدَّولة مع الدُّويلة" أو "السُّلطة الشَّرعيَّة مع البُنى المسلَّحة الموازية" قد وصل إلى أفقٍ مسدود، وأثبت عقمه، وتسبَّب في انهيارٍ ماليٍّ واقتصاديٍّ واجتماعيٍّ وأخلاقيٍّ غير مسبوقٍ في تاريخ لبنان الحديث، وحروبٍ مدمِّرةٍ وعودة الاحتلال إلى مساحةٍ كبيرةٍ من جنوب لبنان، مع التَّهديد بتوسُّعه. إنَّ استمرار هذا الواقع يعني تحلُّل ما تبقَّى من مؤسَّسات الدَّولة، وتحوُّل البلاد تدريجيًّا إلى جغرافيا ساقطةٍ أمنيًّا وقانونيًّا، ومستباحةٍ بالكامل أمام التَّوازنات الإقليميَّة المتغيِّرة من سقوط النِّظام السُّوريّ السَّابق، وخلق سلطةٍ سوريَّةٍ جديدةٍ تضمر العداء للتَّنظيم المسلَّح المسمَّى "حزب الله" الذي انخرط بالحرب السُّوريَّة مساندًا النِّظام السَّاقط، ومن احتلالٍ إسرائيليٍّ حديثٍ لمساحاتٍ شاسعةٍ من جنوب لبنان. إنَّ الواقع اللُّبنانيّ يقودنا إلى استنتاجٍ استراتيجيّ، إنَّ الأمن القوميّ المستدام للبنان لا يمكن، بأيِّ حالٍ من الأحوال، أن يتعايش مع مفهوم السِّيادة المجزَّأة أو المنقوصة الصَّلاحيَّات، مع أنَّ التَّسويات الجزئيَّة قد تُتيح كسب الوقت، فإنَّ تغيير موازين القوى الإقليميَّة، قد يُنظر إليه كوسيلةٍ لضمان هيمنة فصيلٍ على آخر. إلَّا أنَّ ذلك سيُعمِّق الانهيار البنيويّ للبنان ويُسرِّع من تفكُّكه وزواله ككيانٍ وكوطن. إنَّ قيام دولةٍ لبنانيَّةٍ حقيقيَّة، سيِّدة، مستقلَّة وقابلة للحياة، يستوجب كشرطٍ أساسيٍّ ومصيريٍّ لا غنى عنه، توحيد السُّلطة الشَّرعيَّة، وإعادة احتكار الدَّولة المطلق والحصريّ للقوَّة، تحت سقف المؤسَّسات الدُّستوريَّة والشَّرعيَّة الدَّوليَّة. "