Search Icon

"وحدة الساحات" تصمد ساعات... و"الحزب" وحيدًا

منذ 15 ساعة

من الصحف

وحدة الساحات تصمد ساعات... والحزب وحيدًا

الاحداث- كتب ألان سركيس في صحيفة نداء الوطن يقول :"بعد ساعات على انتهاء الرد الإيراني الأخير على قصف الضاحية الجنوبية، بدأت الاتصالات الدبلوماسية في بيروت. لم يكن التركيز على حجم الأضرار التي خلّفها الهجوم بقدر ما كان على المرحلة التي ستليه. الرسالة الأميركية التي وصلت إلى المسؤولين اللبنانيين كانت واضحة، وهي أن لبنان ليس جزءًا من أي تفاوض يجري حول إيران، وأن أي محاولة لإعادة ربط الساحة اللبنانية بالتطورات الإقليمية لن تجد طريقها إلى التنفيذ.

يطرح ما جرى سؤالا أساسيًا حول مصير نظرية "وحدة الساحات" التي شكلت أحد أبرز عناوين المحور خلال السنوات الماضية. المواجهة الأخيرة أظهرت مرة جديدة أن لكل طرف أولوياته وحساباته، وأن القرارات الكبرى تُتخذ وفق المصالح الوطنية للدول لا وفق الشعارات المعلنة.

 

شنت طهران هجومًا على إسرائيل لساعات، لكن الوقائع التي سبقت المواجهة الأخيرة لا تقل دلالة عما تلاها. فمنذ أن فتح "حزب الله" جبهة الجنوب في 8 تشرين الأول 2023 تحت عنوان "إسناد غزة"، دخل لبنان في حرب طويلة دفع خلالها أثمانًا سياسية وأمنية وعسكرية مرتفعة. وخلال تلك الفترة، تعرض "الحزب" لسلسلة ضربات غير مسبوقة طالت بنيته القيادية والعسكرية. وتُوّجت هذه الضربات بعمليات أمنية معقدة وباغتيال الأمين العام السيد حسن نصرالله وعدد من القادة.

توقع "حزب الله" أن يؤدي دخوله حرب إسناد إيران إلى فرض قواعد اشتباك جديدة مغايرة لما بعد إسناد غزة، إلا أن المسار الذي سلكته الأحداث كان مختلفًا. فبدلا من الذهاب إلى مواجهة إقليمية مفتوحة وتسوية تحسن شروطه في الداخل، اتجهت إيران نحو مسارات التفاوض والتهدئة، وبدأت الأولويات تتغير تبعًا للتطورات الدولية والإقليمية.

وبحسب مصادر مطلعة على الاتصالات الجارية، فإن طهران حاولت خلال المرحلة الماضية إبقاء الملفات الإقليمية مترابطة، بما فيها الملف اللبناني. إلا أن الموقف الأميركي جاء حاسمًا لجهة الفصل بين المسارات. وتؤكد المصادر أن واشنطن أبلغت المعنيين بصورة مباشرة أن أي بحث يتعلق بلبنان يتم مع الدولة اللبنانية، وأن الجنوب اللبناني لا يشكل بندًا ضمن أي تفاوض مرتبط بالملف الإيراني.

هذا الموقف لم يقتصر على الجانب الأميركي. فالمعطيات المتوافرة تشير أيضًا إلى تمسك الدولة اللبنانية بمبدأ حصر التفاوض بالمؤسسات الرسمية، ورفض أي مقاربة تضع لبنان ضمن سلة تفاوض إقليمية أوسع.

ميدانيًا، لم تؤدِ التطورات الأخيرة وإطلاق الصواريخ الإيرانية ليل الأحد إلى تغيير الواقع القائم في الجنوب. إسرائيل واصلت عملياتها العسكرية بعد انتهاء الرد الإيراني، فيما اتسعت رقعة النقاط التي تسيطر عليها داخل الأراضي اللبنانية وتحذيرات الإخلاء. وتلفت أوساط عسكرية إلى أن الحرب التي بدأت تحت عنوان دعم غزة، ومن ثم إيران، انتهت إلى واقع حدودي وأمني أكثر تعقيدًا مما كان عليه الوضع قبل اندلاعها، فيما يحصل تراجع "حزب الله" في الميدان بسرعة.

وتعتبر مصادر سياسية أن الفارق الأساسي بين بداية الحرب واليوم يتمثل في تبدل المشهد الإقليمي. إيران تفاوض انطلاقًا من مصالحها المباشرة، والولايات المتحدة الأميركية تدفع باتجاه تثبيت الاستقرار ومنع توسيع المواجهة، فيما يواجه لبنان استحقاقات داخلية وأمنية منفصلة عن مسارات التفاوض الأخرى.

كل ما يحصل يدل على أن "حزب الله" تُرك وحيدًا. لم ترد إيران عندما دُمرت معظم بلدات الجنوب أو عندما ضُربت بيروت والضاحية، بل أتى الرد عندما تأكدت أنها فقدت الورقة اللبنانية. وبالتالي، لم تستطع المحاولات الإيرانية الوصول إلى نتيجة، فمواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون في رفض التدخل الإيراني واضحة، والحكومة على الموجة نفسها، ولبنان يحضّر لجولة جديدة من المفاوضات مع إسرائيل وبدأ بإعداد الملفات، وكل هذه الأمور تحصل بدعم أميركي واضح ورعاية الرئيس دونالد ترامب.

لم تكن التطورات التي أعقبت الرد الإيراني مجرد محطة عسكرية عابرة، بل شكلت مؤشرًا إضافيًا إلى مسار سياسي يتكرس تدريجيًا في المنطقة. مسار يقوم على فصل الملفات عن بعضها البعض، والتعامل مع كل ساحة وفق خصوصيتها. وفي هذا الواقع الجديد، تبدو الساحة اللبنانية أمام مرحلة مختلفة عنوانها الأساسي انتقال القرار المتعلق بلبنان إلى إطار الدولة اللبنانية، بعيدًا من أي ربط تلقائي بالتطورات التي تشهدها العواصم الإقليمية.