Search Icon

هل اقتربت ساعة تعديل خريطة القوى ولاعبي الداخل؟

منذ 5 سنوات

من الصحف

هل اقتربت ساعة تعديل خريطة القوى ولاعبي الداخل؟

الأحداث - كتب ابراهيم بيرم في صحيفة النهار يقول : في الآونة الأخيرة بعثت شخصية تندرج عادة في خانة عقلاء السياسة اللبنانية برسالة شفهية الى المدير العام للامن العام اللواء عباس ابرهيم وهي ترصد بدقة تنقلاته المكوكية وجهوده بين الرئاسات والمرجعيات سعياً الى استدراج حل لأزمة الفراغ الحكومي، فحواها: انك تبدي حرصا استثنائيا لترميم التصدعات العميقة التي منيت بها المنظومة السياسية الحاكمة من خلال جهود الوساطة واجتراح الافكار وابتداع صيغ التسويات لتدوير الزوايا، ومن ثم استيلاد الحكومة الموعودة. ولكن في ظل نياتك الطيبة وفي ضوء حرصك الكبير، كادت ان تتيه عنك حقيقة جوهرية مفادها الآتي: 
- ان المنظومة السياسية التي تحاول اخراجها من غياهب ازمتها باتت في حال من الوهن وانعدام الثقة بنفسها ومستقبلها وقدرتها على الصمود والمواجهة، بحيث اوشكت على الاستسلام والاقتناع بان افق مسيرتها وتجربتها قد صار قاب قوسين او ادنى من الانسداد النهائي.
- ان هذه المنظومة نفسها، سواء مَن كان منها في رأس هرم السلطة والحكم او مَن سارع الى تقمّص دور المعارض الشرس، تستشعر اكثر من اي وقت ان التسويات الداخلية المتاحة والتي تعيد تجديدها وتؤمّن لها جرعة حياة، ولو الى اجل معيّن بانتظار التسوية المقبلة، هي الآن تقلّب بين يديها اعتقادا متصاعدا يستقي مما اكتسبته من خبرات بان الزمن لم يعد بالضرورة زمنها وانها ادت قسطها ودورها.
ملخص الرسالة اياها انك تجهد نفسك من غير طائل، فأنتَ كمن ينفخ في قربة مثقوبة، إذ لكل زمن دولة ورجال، ويبدو ان رجال المرحلة المنصرمة يوطّنون انفسهم على حقيقة مُرة هي ان عليهم ان يعدّوا العدة للخروج من صدارة المشهد الذي شغلوه طوال عقود، وان جُلّ جهدهم الآن يتمحور على تأمين ما يُعرف بـ"الخروج الآمن".
ولان اللواء ابرهيم وهو ابن المؤسسة والنظام والذي واكب عن قرب المسيرة السياسية لما بعد الطائف مذ كان مرافقا للرئيس الشهيد رفيق الحريري صعودا وترقيا الى منصبه الحالي، فانه لم يكن في واقع الحال مستعدا او مهيئا للنزول عند مثل هذا التمني، بصرف النظر عن توافقه او اعتراضه على مضمون الرسالة وفحواها، اذ مَن كان مثله لا يقبل الانكفاء ومعاينته  "سقوط الهيكل" او سماع دويّ حجارته وهي تتهافت، بدليل دأبه على تكرار محاولات الوساطة ونقل عروض الحل بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف لاكثر من ثلاث مرات في الاشهر الاربعة الاخيرة.  
لا يخفى على قيادات عميقة الخبرة والدراية باللعبة السياسية من نوع اللواء ابرهيم او سواه من المتضلعين من عِلم هذه اللعبة، الاستنتاج ان الازمة هذه المرة، وتحديدا منذ 17 تشرين الاول من العام 2019، هي اكثر استعصاء من ذي قبل.
ثمة بطبيعة الحال من يسارع الى الزعم اعتراضا، انه إنْ جاز عقد المقارنة، فان المرحلة التي اعقبت الاغتيال المدوي للرئيس الشهيد رفيق الحريري هي في قراءة كثر من خبراء التاريخ السياسي كانت اكثر تعقيدا وابعد خطورة لما انطوت عليه من مؤشرات وحملته في حينه من وقائع ودلالات، ومع ذلك فان "الامور حينها قد تدبرت" بعد فترة قصيرة، اذ تبددت مظاهر الانفجار ولاحت وعود الانفراج عبر صيغة تسوية سياسية لم تعمّر طويلا لكنها أمّنت عبورا مبدئيا نحو الانقاذ.
ولكن في مقابل ذلك، ثمة من يجد ان ظروفا ومعطيات خارجية تقاطعت يومذاك مع حسابات داخلية فأمّنت ذلك الاستقرار النسبي للنظام، كما أمّنت تجديدا وتلميعا له.
وعلى نحو اكثر وضوحا، وجد الخارج الفرنسي -  الغربي المصمم على تغيير وظيفة البلد والكيان في صراعات المنطقة بعد الاجتياح الاميركي للعراق (2003) فرصته، وفي الوقت عينه وجدت قوى داخلية، في مقدمها "حزب الله"، حاجتها الى الانحناء للعاصفة العاتية حينها فكانت النتيجة صيغة "التحالف الرباعي".
 أما الآن فيبدو ان ثمة غيابا لدور الضامن الخارجي، اذ مع ان باريس حاولت بعد انفجار المرفأ تنكّب المهمة منفردة وفرض رؤيتها للحل عبر مبادرة رئيسها ماكرون، الا انها ما لبثت ان اصطدمت بمن ضربها على يدها وأبطل اندفاعتها، مما اجبرها على الانكفاء أمام معادلة ان "لا حل للداخل اللبناني بمعزل عن تسويات المنطقة الآتية ساعتها وإنْ طال الزمن واستطال شد الحبال وعملية عض الاصابع".
وامام هذه الوقائع، ثمة قراءة تفيد بان القوى السياسية الداخلية الاساسية قد اخذت لنفسها ثلاثة خيارات وحسابات: 
الاول، قوى لا تزال في مرحلة المكابرة والمعاندة بهدف اطالة امد مكاسبها ومغانمها السلطوية، مع ادراكها صعوبة ذلك، لاسيما بعدما نزلت على رأسها العقوبات الاميركية نزول الصاعقة، وهي "التيار الوطني الحر" ومعه العهد وحركة "امل" و"تيار المستقبل" الذي يتصرف على اساس ان تلك العقوبات هي سيف مصلت.
الثاني، قوى تحاول ان تظهر نفسها بمظهر المحايد، وفي ظن بعضها مثل حزب "القوات اللبنانية" ان بامكانها العودة الى المشهد بذريعة الحاجة الى حضورها، ومثل الحزب التقدمي الاشتراكي الذي يجد ان مكانه محفوظ في اي تسوية مقبلة، مع يقينه بانه بات عليه التساكن مع فرضية ان الامتيازات الفضفاضة التي حصل عليه منذ سريان الطائف لن تتكرر بالضرورة، وان عليه استتباعا ان يتقبل امرا واقعا مختلفا.
والمفارقة ان "حزب الله" تنطبق عليه مواصفات هذا الفريق، والتي تتلخص بان زمنهم ليس بالضرورة الى افول بل انهم موجودون في اي معادلة مقبلة.
الثالث يدرك في اعماقه ان المتغيرات آتية وان عليه ان يشحذ جهوده لكي يرث ويحضر، واكثر ما تنطبق هذه الصفات على اولئك الذين يصعدون الى بكركي.
ثمة ولاريب من لايزال يستبعد هذا "السيناريو" ويقيم عند الاعتقاد الكلاسيكي على اساس ان التبديل  والتعديل والتطوير في التركيبة اللبنانية امر شاق ودون بلوغه اهوال قياسا على تجارب تكررت منذ الاستقلال. والرد على هذا الرأي ان الذي يعدّ له ليس مشهدا انقلابيا بل اقرب الى عمليات تبديل تلقائية. وثمة مَن ينقل تأكيدا بان الدوائر المولجة في باريس وسواها توشك ان تنجز لوائح باسماء من سيرحلون ومن سيحل محلهم تلقائيا. فإرادات التغيير الخارجية قد جهزت ويبقى تجهيز آلية التغيير الداخلية، وهي قيد الإعداد والوضع.
======