الاحداث- كتبت رلى ابراهيم في صحيفة الاخبار:"كان يُفترض بجلسة مجلس النواب أمس أن تكون جلسة لمُساءلة الحكومة حول كل المواضيع الاقتصادية المُلِحّة ولا سيما مع ارتفاع الأسعار وزيادة الضرائب، وسط توقّعات بأن تكون المداخلات حامية بين فريق يحاسب الوزراء على عملهم، وفريق يتطوّع للدفاع عن رئيسهم نواف سلام. غير أن الرئيس نبيه بري أنهى الجلسة حتى قبل أن تبدأ، وساهم في حماية حكومة سلام من المضبطة التي كانت تنتظرها. فأعطى الكلام لرئيس الحكومة في بداية الجلسة ليتحدّث عن إنجازات حكومته والصعوبات التي واجهتها في خطاب تجاوز العشرين دقيقة، ثم حدّد 5 دقائق فقط لكل نائب وحرص على تنفيس الاحتقان.
فتحوّلت الجلسة سريعاً إلى اجتماع مُملّ ولا يحمل أي جديد، ما دفع غالبية النواب إلى المغادرة بعد إلقاء كلماتهم، حتى باتت القاعة شبه فارغة وليس فيها من يستمع إلى الآخر، قبل أن يغادر الوزراء تباعاً أيضاً ليقتصر الحضور على رئيس الحكومة ووزيرين أو ثلاثة على الأكثر، فيما يتوقع أن تكون جلسة اليوم امتداداً لملل الأمس.
وبينما كان الجميع يسأل عن سبب دعوة الرئيس بري المجلس إلى مناقشة سياسات الحكومة، تبيّن أن ما بدأه المجلس أمس، سينتهي إلى تجديد الثقة بالحكومة وتوفير الغطاء لها للقيام بمزيد من الأمور المُدمِّرة للبلاد في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن القوى السياسية الرئيسية لا تُظهِر جدّية في تعديل الواقع القائم، علماً أن كثيرين كانوا أعربوا عن اعتقادهم بأن الجلسة لم يكن هدفها «تنفيس» الاحتقان النيابي، بل رسالة مشتركة من بري ومن رئيس الجمهورية بأنهما يدعمان تغييراً حكومياً كبيراً. وهو أمر يتناقض مع التوجّهات التي تفرضها سلطة الوصاية الأميركية - السعودية على لبنان.
ومع ذلك، سجّلت الجلسة التي تُستكمل اليوم، مجموعة من المواقف التي تبقى عامة من دون اللجوء إلى طرح الثقة، وسط توقّعات بأن لا يصار إلى التمييز بين أيّ وزير والحكومة، خصوصاً عندما جرت الإشارة إلى نية بعض الكتل طرح الثقة بوزير الخارجية يوسف رجّي.
ومع أن رئيس المجلس أعطى رئيس الحكومة مساحة وقت طويلة نسبياً، فإن الأخير لجأ إلى «النق» والتحسّر على الوضع المالي والاقتصادي والاجتماعي، وإعلانه ضمنياً أن الوضع لن يتحسّن بل يتجه إلى الأسوأ. وكما كل رؤساء الحكومات السابقين، حمّل مسؤولية عدم القدرة على الإنجاز خلال ما يقارب العامين للتراكمات الموروثة والوضع الصعب. وعندما وصل إلى موضوع حزب الله، بدأ سلام يقرأ كلمة مكتوبة، وتجاهل ذكر ما تقوم به إسرائيل من قصف وقتل وتهجير وتجريف، وأنكر وجود أي التزامات على لبنان في اتفاق الإطار، قبل أن يذكّره بعض النواب بتخلّيه ورئيس الجمهورية عن حق تقديم المراجعات بالجرائم الإسرائيلية أمام المحافل الدولية وهو ما صرّح به نائبه طارق متري مرات عديدة.
ركّزت الكلمات على انتقاد «الحكم الرئاسي» وتجاهل مجلس النواب عند عقد الاتفاقات، سواء مع إسرائيل أو تلك المتعلّقة بالحدود البحرية، بينما دافعت «القوات» عن الحكومة ورئيسها
وكانت لافتة الكلمة التي ألقاها النائب هادي أبو الحسن باسم الحزب التقدمي الاشتراكي، حيث تعمّد الموازنة بين التشديد على ضرورة حصر السلاح والقرار بيد الدولة، ورفض ما وصل إليه التفاوض المباشر من إبعاد لبنان عن القرارات الدولية واتفاقية الهدنة وإغراقه في مناطق تجريبية وهمية. وطالب بإعادة النظر في الاتفاق خصوصاً أن التفاوض يحصل في ظل إمعان إسرائيل في القضم والقتل والتهجير. وبدا لافتاً تشديده على «عدم التنكّر لتضحيات المقاومة التي واجهت الاحتلال دفاعاً عن الأرض ولا المسّ بكرامة أحد»، مذكّراً بأن انطلاقة المقاومة الوطنية كانت من منزل كمال ووليد جنبلاط في عام 1982.
أمّا النائب جميل السيد فقد انتقد «خضوع الحكومة» لصندوق النقد الدولي، في ظل غياب الخدمات وتفاقم الأوضاع المعيشية. كما انتقد عدم عرض «اتفاق الإطار» على البرلمان، مؤكّداً أن الاتفاقيات التي لا يجوز فسخها سنوياً تستوجب حتماً موافقة مجلس النواب، معتبراً الإجراء الحالي مخالِفاً للدستور. وقال إن إقرار اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص أو أي ترتيبات تنفيذية ناتجة منها بشكل منفرد من قِبل الحكومة، يُعد مخالفة صريحة للمادة 52 من الدستور اللبناني. ووصف السيد الحكم الحالي في لبنان بأنه «حكم رئاسي»، ولا سيما في ملف التعيينات الإدارية.
أمّا الكلمة التي أخذت «طابعاً وجدانياً»، فكانت للنائب الياس جرادة الذي ركّز على تخلّي الحكومة الكامل عن المواطن والإذعان لإملاءات الخارج. وصحّح كلام سلام بالقول إن «الحرب فُرضت علينا نعم، فنحن المُعتدى عليهم منذ عقود وليس فقط اليوم، وهذا لا يفرض علينا الحياد». كذلك اتّهم الحكومة بالتبرير للعدو بضرب الشعب اللبناني وبإبادة الجنوبيين وبعدم احتضان النازحين، واصفاً الاتفاق بـ«اتفاق العار».
وبينما فوجئ النواب جميعاً بتطوع النائب جورج عدوان للدفاع عن الحكومة ورئيسها، في مشهد كوميدي، جاءت المفاجأة الثانية من النائب مارك ضو الذي طالب الحكومة بالتحرك بشكل أسرع وليس الطلب من المواطن أن يصبر أكثر، متهماً شركة «الميدل إيست» بعدم دفع الضرائب.
باسيل: أنا رئيس المعارضة
قبل افتتاح الجلسة، كان الجميع يتوقّع مطالعات كبيرة لنواب التيار الوطني الحر بشأن كل ما تقوم به الحكومة. ومع أن الجلسة شهدت سجالاً عندما حاول الرئيس بري منح النائب جبران باسيل للكلام خمس دقائق فقط، ما دفع الأخير إلى التهديد بالخروج من الجلسة، ثم قدّم مطالعة من موقعه «كرئيس وحيد للمعارضة» فكانت كلمته الأكثر وضوحاً في نقد الحكومة وأركان الحكم، متهماً إياهم بـ«العجز». واستغل المناسبة للرد على كل من اتهم التيار بالفساد مؤكداً عدم قدرتهم على إمساك ولو ملف واحد على أي نائب أو وزير. وسأل الحكومة عما فعلته مع سلاح حزب الله، قبل أن ينتقل إلى انتقاد تهميش وزير الخارجية محمّلاً «القوات اللبنانية» مسؤولية القبول بالوضع القائم.
وسأل باسيل عن التدقيق الجنائي وأموال المودعين وفتح ملف الكهرباء، واصفاً ما يشيعه البعض بـ«الكذب». وسخر من الذي لا يعرف الفارق بين استئجار البواخر واستئجار الكهرباء من البواخر، ومن ادّعائه بأن أسعار النفط العالمية تسبّبت بارتفاع سعر البنزين مذكّراً إياه بأن سعر النفط العالمي وصل إلى 150 دولاراً منذ بضع سنوات ولم يصل سعر البنزين أو الكهرباء إلى ما هو اليوم. وختم بالحديث عن التنازل المجاني في ملف النفط لمدة 6 سنوات عبر منح البلوك الأساسي لشركة أجنبية من دون التزام منها بالحفر في إطار الرضوخ للأوامر الخارجية.