الاحداث- كتبت روزانا بو منصف في صحيفة" النهار" تقول:"أكثر ما يتابعه مراقبون سياسيون لتطوّر الأمور في لبنان هو ما يعتبره هؤلاء حصول عوامل متغيرة تدخل على اللعبة السياسية وتخرج جلسات انتخاب رئيس الجمهورية من حال الاستنقاع السياسي. Game changer هو تعبير أدق في اللغة الإنكليزية للمقصود بذلك وهؤلاء يرون في التيار العوني أو الكثير من نوابه جزءاً أساسياً من ذلك ويبدون استغراباً لعدم حصول ذلك حتى الآن. فالمتغيّر في اللعبة من شأنه أن يحرك الأمور قليلاً الى الأمام أو على نحو جوهري أحياناً ويحدث انعطافة مهمة فيما متغيرات كثيرة حصلت بالنسبة الى نواب التيار.
فالبعض منهم ممن رافق مسيرة العماد ميشال عون وحتى إبان وجوده في باريس رافقه كذلك في مرحلة تحولاته وانتقاله السياسي من مكان الى آخر مختلف كلياً تحت وطأة عوامل مهمة هي تحقيق الرجل حلمه الكبير بالوصول الى سدة الرئاسة الاولى وربما الإيمان بأنه يمكن أن يحدث نقلة نوعية في البلد في ظل الشعارات التي كان يرفعها ويحقق ربما حلم المسيحيين وربما أيضاً حلم اللبنانيين.
ميشال عون الزعيم التاريخي لتيار حمل اسمه وغالبيته لم يستطع تبرير الانتقال من الخصومة السياسية والشهادة ضدها في الخارج أو تبرير الانتقال من ضرورة انضواء الميليشيات تحت سقف الدولة الى ترك الحبل على الغارب لـ"حزب الله" وحده. وكان مفهوماً الى حد ما أن يضحّي كل هؤلاء كما أنصار التيار بمبادئهم قبل وصول ميشال عون الى الرئاسة وحتى إبان رئاسته التي لا يمكن لأي تقويم لها أن يغفل الفشل الذريع بغضّ النظر عن نسبة المسؤولية الشخصية في ظل انهيار المؤسسات اللبنانية والبلد ككل.
يفتح التعطيل الذي لا تخفيه الرئاسة الحالية للتيار والتي لا تخفي اعتماده وسيلة تنوي من خلالها تجربة انتخاب عون بعد تعطيل لعامين ونصف العام والذي ربما يختبئ أطراف آخرون خلفه، الباب على تساؤلات هل نواب التيار يدعمون هذا المسار نفسه من أجل حلم وصول الوريث السياسي لعون الى الرئاسة كذلك وهل سيستمرون بالتضحية بمبادئهم وموقعهم ونهجهم من أجل ذلك؟
فنواب كثر من الكتلة العونية سابقاً وحديثاً لا يخفون عدم التطابق مع رئيس التيار ويتناقضون معه وإن لم يوجّهوا انتقادات كثيرة له لاختلاف فهمهم أو مقاربتهم للأمور. وكان الأمر يندرج سابقاً من ضمن عدم الرغبة في مناقضة عون نفسه وهو في الرئاسة لعدم إضعافه في ظل تغطيته لكل أعمال رئيس تياره وأدائه فيما يسري على نطاق واسع أن إخفاق عون في الرئاسة يعود في جزء أساسي منه الى تسليمه زمام السلطة الى صهره وتغطيته له. وهذه الأسئلة التي يطرحها المراقبون المعنيون لا تتصل بطبيعة العلاقات الشخصية بين رئيس التيار ونواب كتلته بل بتقويم أداء سياسي أوصل البلد الى الانهيار أو كان أساساً في الوصول الى ذلك.
يُفترض أن تنطوي مرحلة مع انتهاء ولاية عون الذي حمل لواء معارضة اتفاق الطائف والعمل على نقضه وتجريفه وتعديل بنوده وأخذ فريقاً من اللبنانيين أو المسيحيين وراءه.
وهو أظهر في رئاسته أن هناك صلاحيات كثيرة لا تزال لموقع الرئاسة الاولى ولو أنه استخدمها على نحو سلبي ولكن عون أخفق أيضاً في نقض اتفاق الطائف الذي كان له مشكلة شخصية معه فيما يثير التساؤل عمّا إن كان نواب التيار أو البعض منهم ممّن يقيمون علاقات مختلفة مع القوى السياسية وحتى يتواصلون مع مرشحين للرئاسة الأولى ممّن يجري تداول أسمائهم فيما رئيس التيار يواصل سياسة منفرة للقوى السياسية كما للبنانيين، سيواصلون السير وراء رئيس التيار كما فعلوا مع عون من أجل تحقيق طموح الأخير رئاسياً وسلطوياً مع ما يعنيه ذلك من جر مناصرين مسيحيين وراءه على رغم تراجع نسبتهم الى حدّ ملموس.
يحتاج "التيار الوطني الحر" الى أن يقدّم نفسه بصورة مختلفة بعدما انتهت التجربة العونية في السلطة ولا سيما بالنتائج الكارثية التي انتهت إليها. فنواب كثر ممن كانوا يبررون أمام زملائهم النواب أو أمام سفراء دول أجنبية مقاربة مختلفة لديهم الى جانب عدم إمكان التخلي عن عون رئيساً مهما تكن السياسات المتبعة وحتى عن سياسة التيار إبان هذه الفترة، بغض النظر عن مدى اقتناعهم أو عدم اقتناعهم بها، باتت صدقيتهم ومفاهيمهم أو مقارباتهم على المحك.
وفرصتهم المتاحة تبدأ من الضغط لسياسة مختلفة إن كانوا لا يزالون يؤمنون كما يقولون بالعمل الداخلي الحزبي أي التغيير والتأثير من الداخل، وإذا استطاعوا الى ذلك سبيلاً، أو التمايز فعلياً وعلناً من أجل فرض هذا التغيير والتحفيز عليه من دون حتمية الانشقاق عن التيار تحت وطأة فقدان هذه الفرصة بما يعنيه ذلك الاستمرار في سياسة التعطيل المدمرة وانعكاساتها الكارثية على البلد.
فثمة منحى إيجابي ينبغي تظهيره انطلاقاً من أنه حان الوقت للعودة الى لعب سياسة منتظمة والعودة الى المبادئ وعدم العمل من أجل طموح سياسي لزعيم آخر من ضمن حلقة مفرغة لا تنتهي ولا سيما أن تكرار الأسلوب نفسه في السلطة كان مهلكاً للتيار كما للمسيحيين عموماً لا لمناصريهم فحسب. وإن كان عون أسيراً لطموحه وتبنّى تحولات كبيرة من أجل ذلك فهل سيكون التيار أسيراً لطموح وريثه السياسي كذلك.
ما يُتطلع إليه من نواب التيار لا يتصل بمسألة عددية في مجلس النواب من أجل ترجيح خيار أو مسألة إجرائية بل هي مسألة أعمق من ذلك ويُفترض أن تتبلور وتظهر من مكان ما علماً بأن مغادرة عون قصر بعبدا لا تعني ربما بالنسبة الى هؤلاء النواب عدم الاستمرار في التزام مساره. لكن المراقبين يتساءلون متى يبدأ دعم البلد ومواطنيه بدلاً من دعم الأشخاص ولا سيما مع اختلاف الثقل والتاريخ والزعامة.