الاحداث- نجح الرئيس نجيب ميقاتي، حيث فشل الرئيس سعد الحريري، في تشكيل الحكومة بسرعة قياسية، وأثبت أنه «لم يكلف كي لا يؤلف».
وهو عاقد العزم على أن تنجح حكومته حيث فشلت حكومة الرئيس حسان دياب في مهمة «وقف الانهيار وإدارة الأزمة». في الواقع، يملك ميقاتي فرصة جيدة للنجاح ونقاط قوة، ولكن الأمر لا يخلو من صعوبات وتحديات ونقاط ضعف. فإذا كان تشكيل الحكومة كافيا في حد ذاته لإحداث «إنفراجات» في الأجواء الملبدة، فإنه في ضوء مسيرة الحكومة سيتحدد ما إذا كنا في صدد «انفراجات واسعة ومسار صعود من القعر»، أو أن الأمور قابلة للانتكاس والتلبد من جديد.
أما نقاط القوة فهي:
1 - الرئيس نجيب ميقاتي في شخصه ووضعه، وهو المتميز بـ «براغماتية» وواقعية وحيوية سياسية وإلمام بالملفات ومعرفة بطبيعة المشاكل والحلول السريعة والمتوسطة الأمد والذي يعرف كيف يدور الزوايا ويدير التناقضات والتوازنات، يضاف الى ذلك أمران أساسيان:
- تمتع ميقاتي بدعم كامل من الطائفة السنية، بعدما كان غياب الغطاء السني فجوة أساسية في حكومته الثانية عام 2011.
- وامتلاكه لشبكة علاقات دولية وعربية، كونه رجل أعمال وصاحب ثروة ومشاريع. ولم يسبقه الى ذلك إلا الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
2 - الحالة الشعبية المحيطة بالحكومة الجديدة التي تتمتع بحد أدنى ومعقول من التأييد أو القبول الشعبي.
لم تواجه حكومة ميقاتي ما واجهته حكومة دياب ومن اللحظة الأولى لولادتها من رفض وتهجم، وإنما تعطى فرصة وفترة سماح لإثبات وجودها وقدراتها، ولكن من ضمن أجواء حذر وشكوك. أما الفرصة، فإنها متأتية من الواقع الصعب والأليم الذي أنهك اللبنانيين وخفض سقف مطالبهم وطموحاتهم، وأما الشكوك فإنها متأتية من واقع لبناني مازال على حاله ومن «طبقة تركيبة» سياسية هي المشكلة ولا يمكن أن يأتي الحل على يدها.
3 - الموقف الدولي المتحول من محاصرة وعزل الحكومة السابقة إلى دعم الحكومة الجديدة ومدها بأسباب النجاح والبقاء. فعلى امتداد الأشهر الماضية حصل تحول ملحوظ في الموقف الدولي الذي بات متساهلا ومتراخيا في موضوع الإصلاحات، وبات مركزا على أولويتين:
تشكيل الحكومة التي يحتاجها لبنان من دون التشدد في تفاصيلها وهويتها السياسية، وإجراء الانتخابات في موعدها كاستحقاق محدد للاقتصاص من الطبقة السياسية وتجديدها وخلط أوراق الخارطة والأكثرية النيابية.. وبعد بلوغ الوضع اللبناني الخط الأحمر ودائرة الخطر الشديد، صار سقف المطالب والشروط الدولي منخفضا أيضا ومحددا في وقف الانهيار الاقتصادي ومنع الانفجار الأمني.
4 - الفرصة المتاحة للتفاوض مع صندوق النقد الدولي من موقع أريح وأسهل، مقارنة بما كان عليه الحال مع الحكومة السابقة.. فإذا كان الاتفاق مع صندوق النقد هو الممر الإلزامي للحصول على المساعدات والأموال من الخارج، فإن فرص التفاوض صارت متوافرة بشكل أفضل لسببين: الأول يتعلق بوجود فريق لبناني مفاوض منسجم وموحد في مقاربته وأرقامه، وتحديدا ثلاثية رئاسة الحكومة - وزارة المال - حاكمية مصرف لبنان. والثاني يتعلق بالواقع أو الأمر الواقع اللبناني الذي مهد الطريق أمام الحكومة وسهل مهمتها، بعدما باتت القرارات والشروط الصعبة والأليمة متخذة ومنفذة واقعا، من خفض سعر صرف الليرة إلى رفع الدعم إلى التخفيف من أعباء القطاع العام.
5 - انطلاق الحكومة في لحظة تقاطعات إقليمية دولية تنعكس إيجابا على الوضع والحكومة، من المفاوضات الأميركية - الإيرانية التي تتأهب للعودة الى طاولة ڤيينا، إلى الحوار السعودي - الإيراني، والتقارب الأردني - السوري، والمصري - التركي والعربي - الإسرائيلي، مع ما يرافق ذلك من تهدئة وإطفاء البؤر المتوترة المتفجرة، ومن تهيئة المسرح لتسويات إقليمية على وقع الانسحاب الأميركي «العسكري» من الشرق الأوسط.
أما نقاط الضعف الأساسية التي تعتري الحكومة وتهددها فهي:
1 - ضيق المسافة أو المساحة الزمنية المحددة للحكومة ولا تتجاوز الـ 6 أشهر، إذا كانت الانتخابات ستجري نهاية مارس المقبل، مقابل سعة وضخامة المهام والمشاكل والملفات الملقاة على عاتقها، وهذا يجعل أن الحكومة لن تكون «حكومة إصلاحات»، وليس في مقدورها التوغل في ملفات شائكة، وإنما ستكون حكومة انتخابات. وأقصى وأفضل ما يمكن أن تفعله وتقدمه هو إدخال تحسينات على الأوضاع المعيشية والحياتية، وستكون حكومة ناجحة إذا نجحت في تأمين الكهرباء والمحروقات والدواء ليس أكثر.
2 - اقتراب موعد الانتخابات النيابية التي ستعيد خلط الأوراق والأولويات، وسوف تساهم في تأجيج التوترات السياسية والطائفية، وترفع منسوب الخطابات الشعبوية لشد عصب الناخبين والجماهير. وكل ذلك سيؤثر على المناخ العام وينعكس سلبا على استقرار الحكومة وإنتاجيتها.
3 - تركيبة الحكومة القائمة على محاصصات وتوازنات ومحاور، وإن بدت في الشكل والظاهر فريقا واحدا منسجما. ومن الطبيعي ألا تظهر الخلافات في البدايات، ولكن لا تلبث أن تطفو على سطح الحكومة. فلا شيء يضمن أن يظل الرئيس نبيه بري هادئا وهو يخوض آخر معاركه السياسية، أو أن يظل الرئيس الحريري مهادنا ومتفرجا على وضع يسحب البساط السياسي والشعبي من تحت قدميه.
4 - الملفات التي تشكل تحديا لحكومة ميقاتي وتضعها أمام اختبار القدرة على اتخاذ قرارات صعبة. والأمر يتجاوز الملفات الداخلية على حساسيتها من تحقيقات المرفأ إلى التعيينات إلى الملفات والمسائل ذات الأبعاد والامتدادات الإقليمية، مثل ملف ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، وملف التطبيع والعلاقة مع سورية، ومسألة العلاقات مع الدول العربية، ولاسيما الخليجية منها.
5 - «الآفاق الضبابية» وحالة «اللايقين» في المنطقة ومسارها للمرحلة المقبلة. وبقدر ما تبدو مفتوحة على آفاق التسويات، فإنها معلقة على أوضاع هشة ومحكومة بنتائج المفاوضات الإيرانية -الأميركية أولا.