الاحداث- كتبت صحيفة الاخبار:"لم يُقفل ملف شاحنة ضهر البيدر بسحب اقتراح إحالته إلى المجلس العدلي من التداول في مجلس الوزراء الخميس الماضي، بل دخل مرحلة أكثر التباساً. فعدم طرح الإحالة لم يعنِ إسقاطها نهائياً، كما أن التفاهم بين رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ورئيس مجلس النواب نبيه بري، بالتنسيق مع حزب الله، لم يحسم أصل الخلاف، بل حال دون تحوّله في تلك اللحظة إلى مواجهة داخلية مفتوحة.
بهذا المعنى، لم تكن التسوية اتفاقاً على معالجة الملف بقدر ما كانت اتفاقاً على تأجيله. فقد جرى احتواء التصعيد إثر اتصالات سياسية شملت، وفق المعلومات، الجانب السعودي عبر المبعوث يزيد بن فرحان، فيما أدّى بري دوراً أساسياً في منع انفجار الخلاف داخل الحكومة. وكان المطلوب تجاوز المأزق الآني، وتمرير «القطوع»، من دون أن يعني ذلك تخلّي الأطراف التي دفعت نحو الإحالة عن هدفها.
وفيما تؤكد مُعطيات «الأخبار» أن وزير العدل عادل نصار لا يعتبر عدم طرح الملف في الجلسة الأخيرة تراجعاً عن خيار الإحالة، وقد أبلغ من سأله أنه سيعيد طرحه، بعدما حال لقاء النائب سامي الجميل برئيس الجمهورية قبيل جلسة الخميس دون انسحاب نصّار منها، أعلن وزير العدل في حديث تلفزيوني أمس أنه لم ينسحب من الحلسة حتى لا يُفهم ذلك تشكيكاً بالقضاء، مؤكداً أنه سيعيد طرح الإحالة في جلسة مجلس الوزراء بعد أسبوعين.
والواضح أن الخلاف تجاوز حدود التباين الحكومي بشأن إجراء قضائي، ليتحوّل إلى مادة للمُزايدة داخل الساحة المسيحية. فإصرار رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع على الإحالة، وانسحاب وزرائه من الجلسة احتجاجاً على عدم طرحها، جعلا التشدّد معياراً لإثبات الحضور السياسي والتمثيل. فباتت التهدئة تُصوَّر تنازلاً، فيما تحوّل التمسّك بالإحالة إلى وسيلة لإظهار القدرة على مواجهة حزب الله وحلفائه.
وعليه، لم يعد النقاش مقتصراً على جدوى الإحالة إلى المجلس العدلي وتوقيتها، بل بات محكوماً بحسابات المنافسة على الجمهور المسيحي، إذ يخشى كل طرف أن يستثمر خصومه أي خطوة تهدئة ضده، ولو كانت ضرورية لمنع انفجار داخل الحكومة. وفي هذا السياق، عندما وصف سلام انسحاب الوزراء بالشعبوي، كان يشير إلى أن الخلاف لم يعد مجرد تباين في تقدير إجراء قانوني، بل أصبح جزءاً من الصراع على الشارع والتمثيل المسيحيَّيْن.
عون لا يريد أن يبدو سقفه السياسي أدنى من سقف جعجع أو سواه من القيادات المسيحية
وتزداد حساسية الموقف بالنسبة إلى رئاسة الجمهورية، في ظل معلومات تفيد بأن عون لا يريد أن يبدو سقفه السياسي أدنى من سقف جعجع أو سواه من القيادات المسيحية. وهكذا، فإن الرئيس، الذي يُفترض أن يتيح له موقعه هامشاً أوسع لاحتواء الانقسامات، يجد نفسه أمام ضغط طائفي يضيّق هامش المناورة. وبذلك، يصبح خفض التصعيد موقفاً يحتاج إلى تبرير، فيما يُقدَّم التشدّد دليلاً على الثبات.
مع ذلك، فإن حسابات الداخل ليست وحدها ما يحكم تأجيل الملف. فثمة رهان، وفق المُعطيات، على أن التطورات الإقليمية، ولا سيما احتمال اندلاع حرب على إيران وانعكاساتها على حزب الله، قد تبدّل شروط المواجهة. ويقوم هذا الرهان على انتظار تحوّل في موازين القوى يسمح بالتعامل مع الحزب من موقع أقوى، بدلاً من خوض مواجهة داخلية مباشرة في ظل الغموض الإقليمي الراهن. لذلك، تُترك المعركة مُعلّقة إلى حين اتضاح ما إذا كانت الحرب ستقع، وما إذا كانت ستؤدي إلى إضعاف إيران وحزب الله أو إلى نتائج مختلفة.
غير أن هذه الحسابات تبقى رهينة احتمالات غير مضمونة. فالحرب ليست حتمية، ونتائجها لا يمكن استباقها، كما أن أي إضعاف محتمل لإيران لا يعني بالضرورة تبدّل موازين القوى في لبنان وفق ما تشتهيه الأطراف المُراهِنة على ذلك. وفي انتظار اتضاح المشهد، يبقى ملف الشاحنة ورقة سياسية قابلة لإعادة الاستخدام.
من هنا، لا تقتصر أهمية الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء على احتمال إعادة وزير العدل طرح الإحالة، بل تتعداها إلى اختبار التفاهم الذي أوقف التصعيد. فهل كان قراراً مشتركاً بمنع الانزلاق إلى أزمة داخلية، أم مجرّد ترتيب مؤقّت فرضته كلفة المواجهة؟ وإذا أعيدت الإحالة إلى جدول الأعمال، فسيجد الرؤساء الثلاثة أنفسهم أمام ضرورة تثبيت موقف سياسي مشترك رغم الضغوط. أمّا إذا استمر التعليق، فسيؤكد ذلك أن التسوية لم تُنهِ الخلاف، بل أبقته في حالة انتظار.