الاحداث- كتبت صحيفة "الجمهورية": فيما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مساء أمس السيطرة على تلة علي الطاهر، لم يصدر بعد عن «حزب الله» أي بيان يؤكّد هذه السيطرة او ينفيها. لكن هذا الحدث يُتوقع له أن يُدخل منطقة الجنوب في مرحلة جديدة، وكذلك مصير المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية المباشرة، التي لم يُحدد بعد أي موعد رسمي للجولة الثامنة منها، وإن كانت الترجيحات الرسمية تشير إلى أنّها ستنعقد في 14 و15 ايلول الجاري او في 18 و19 منه، بحيث تسبق الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش اللبناني في باريس او تليه.
ولكن الانطباعات السائدة حتى الآن، تشير إلى انّها حتى ولو انعقدت فإنّها في ظل التعنت والمناورة الإسرائيليين لن تحقق أي نتيجة على مستوى البدء بتنفيذ منطقة تجريبية جديدة، لأنّ إسرائيل لن تُقدم على أي خطوة من هذا النوع قبل انتخابات الكنيست المقرّرة في 27 تشرين الاول المقبل. وإنّ محاولة إسرائيل أمس الإيحاء بـ«مبادرة حسن نية» بإعلانها اطلاق 5 أسرى (3 لبنانيين وسوريان) لم تغيّر الانطباع السلبي السائد حول مصير المفاوضات، على رغم من «ابتهاج» الخارجية الأميركية بهذه الخطوة قبل التدقيق في مضمونها، حيث انّ اياً من هؤلاء الأسرى لم يرد اسمه في اللوائح الرسمية اللبنانية المقدّمة إلى واشنطن وتل ابيب والأمم المتحدة، وانّ اياً منهم لا ينتمي إلى «حزب الله» او غيره من حركات المقاومة.
فقد أعلن نتنياهو مساء أمس، أنّ «مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان لم تعد تشكّل تهديداً لنا، وقضينا على أعداد كبيرة من المسلحين». فيما أعلن الجيش الإسرائيلي استكمال ما وصفه «تطهير» البنى التحتية تحت الأرض التابعة لحزب الله في مرتفعات علي الطاهر، مؤكّداً أنّ قواته تواصل العمل على تحييدها.
وفي السياق، كتبت المتحدثة باسم الجيش الإسرائيلي ايلا واوية عبر منصة «إكس»: «عملت قوات الفرقة 36 خلال الفترة الأخيرة على تطهير مسارين تحت الأرض في منطقة مرتفعات علي الطاهر الواقعة ضمن المنطقة الأمنية. وحققت القوات سيطرة عملياتية على منطقة المرتفعات فوق الأرض وتحتها، وطهّرت المنطقة من المخربين، حيث تمّ القضاء على بعضهم وفرّ آخرون من المنطقة. ولا يزال النشاط الرامي إلى تحييد البنى التحتية تحت الأرض التي تمّ تطهيرها من المخرّبين مستمرًا. وبعد انتهاء النشاط، سيعيد جيش الدفاع الانتشار دفاعيًا وفقًا لتقييم الوضع».
ولفت مسؤول عسكري إسرائيلي أنّه «لم نجد في أنفاق علي الطاهر أي مستشارين أو ضباط إيرانيين، وهي أصبحت خالية من مقاتلي حزب الله». وقال: «حزب الله أنشأ البنية التحتية في علي الطاهر بتمويل وتخطيط من إيران».
«حزب الله»
وفيما لم يصدر أي بيان رسمي عن العلاقات الإعلامية في «حزب الله» حول إعلان إسرائيل سيطرتها على التلة، قالت مصادر الحزب لـ«الجمهورية»، انّه لا يمكن فصل هذا التطور العسكري عن السياق الخارجي لمسار الحرب بين إيران وأميركا. ودعت إلى «الانتظار لمعرفة الخطوة التالية، فهل تكون التلة تنفسية للكبش الكبير الذي نصبه نتنياهو لنفسه لننتظر ونر».
وكان مصدر سياسي رفيع قال لـ«الجمهورية» قبيل إعلان نتنياهو، إنّ «حرب لبنان لم تكن مرتبطة بحرب أميركا وايران اكثر مما هي عليه اليوم» وأضاف: «إنّ العدو يُبقي على استعدادات عالية وجهوزية تامة لخوض معركة علي الطاهر والسيطرة عليها، لكنه يعلم انّ حساباتها أبعد من السيطرة الميدانية. فالتركيز على مرتفع علي الطاهر، بغض النظر عن تضخيمه، هو انّه مرتبط بشكل وثيق باتفاق أميركي- إيراني بشكل مباشر، عبر رسائل واضحة بين الطرفين عبر وسطاء، او غير مباشر، تفرضها قواعد اشتباك يفهمها أطراف النزاع من دون اتفاق». وأضاف: «انّ النزاع على التلة ميدانياً على الارض هو بين إسرائيل و«حزب الله»، اما سياسياً فالحسابات أبعد. والعارفون يعلمون انّ ضابط الجبهة الذي يمنع الاندفاعة الإسرائيلية هو التفاهم الأميركي- الإيراني، وحساسية هذه الجبهة أبلغها الباكستاني إلى الاميركي، وهي انّه إذا فتحت الحرب مجدداً بالجنوب ستدخلها إيران مجبرة، على رغم من انّها تتجنّب الوصول اليها»... ورأى المصدر «انّ التلة عسكرياً ليست أهم من بنت جبيل او الخيام او غيرها من معاقل «حزب الله»، على رغم من انّه اصبح معروفاً انّها تضمّ قاعدة كبيرة، لكنها ساقطة عسكرياً من خلال السيطرة الجوية ومحروقة بكثافة الغارات، ووصل فيها العدو بالحرق إلى دوحة كفررمان، وهناك أبرز أبوابها بحسب ما يدّعي العدو، وهو ما دفع بالحزب إلى التراجع جغرافياً، لكن «حزب الله» لا يرى في سقوطها حدثاً كبيراً لأنّها لا تقل شأناً عن التلال الأخرى، على رغم انّ موقعها في غاية الأهمية، كونها العقدة التي تفتح في اتجاه اقليم التفاح والبقاع الغربي نزولًا، كما انّها ستفتح شهية إسرائيل لإحداث خرق كبير ونقل المعركة إلى مرحلة جديدة عنوانها شمال النهر».
التحرّك الاميركي
إلى ذلك، يأتي تحرك السفير الأميركي ميشال عيسى بين بيروت وتل أبيب بمثابة محاولة تأمين بيئة ملائمة لجولة المفاوضات المرتقبة في روما منتصف أيلول. ويبدو الاستنفار الذي يقوده عيسى ونظيره في تل أبيب مايك هاكابي، محاولة أميركية لمنع انهيار «صيغة الإطار» والحدّ من تداعيات علي الطاهر.
وفي هذا السياق، قالت مصادر ديبلوماسية لـ«الجمهورية»، إنّ نتنياهو يحاول إبداء تجاوب ظاهري مع رغبات إدارة الرئيس دونالد ترامب في إنجاح مسار روما. وهو لذلك يستغل ملف الأسرى اللبنانيين ورقة تكتيكية، حيث يُرجح توقيت الإفراج عن 5 أسرى لبنانيين كـ«مبادرة حسن نية»، تُصرف بالتزامن مع انطلاق طاولة روما. لكن السلوك الإسرائيلي على الأرض يكشف عن تناقض حاد. فبالتوازي مع الترويج لخرق إيجابي في ملف الأسرى، أقدمت إسرائيل أمس على خطف ثلاثة مواطنين جنوباً، فيما تمّ الإفراج عن أسير واحد من سجونها، وطُرح ملف رفات اليهود الذين قضوا في لبنان في مراحل سابقة.
ورأت المصادر أنّ جولة المفاوضات المقبلة في روما «لن تكون سوى محطة لإدارة النزاع، حيث تستمر إسرائيل في كسب الوقت لتعزيز «حزامها الأمني»، فيما تحاول واشنطن ضبط النار لمنع تحوّل «علي الطاهر» شرارة لمواجهة إقليمية شاملة».
تحريك الجمود
وفي سياق متصل، قالت أوساط سياسية لـ«الجمهورية»، انّ من شأن الإفراج عن 5 معتقلين لبنانيين في السجون الإسرائيلية، أن يحرّك نسبياً الجمود الذي أرخى بظلاله الثقيلة على المسار اللبناني ـ الإسرائيلي خلال الآونة الأخيرة، وأن يمهّد الأرضية للجولة المقبلة من المفاوضات».
واشارت هذه الاوساط، إلى «انّ القرار الإسرائيلي بإطلاق هؤلاء المعتقلين الخمسة بتدخّل واشنطن وضغطها، سيعوّم خيار السلطة الداعي إلى التعويل على التفاوض والدور الأميركي لتحصيل الحقوق وتحقيق المطالب اللبنانية». لكن الاوساط لفتت إلى «انّ المفرج عنهم هم مواطنون عاديون لا يشكّلون اي خطر، وكانت قد اختطفتهم قوات الإحتلال ظلماً وتعسفاً، وبالتالي فإنّ الإيحاء بأنّ إسرائيل بادرت عبر إطلاقهم إلى تقديم تنازل، إنما ينطوي على مبالغة وتضخيم، قياساً إلى الوزن الحقيقي للخطوة التي أقدمت عليها».
وأبدت الأوساط نفسها خشيتها من «ان يتلطّى نتنياهو خلف هذه المبادرة المتواضعة، حتى يواجه اي ضغوط اميركية مستقبلية، ويمتنع عن إبداء مرونة في الملفات الأخرى، خصوصاً في ما يتصل منها بالانسحاب من مناطق تجريبية جديدة، على قاعدة انّه أظهر حسن نية من خلال تسليم المحتجزين الخمسة، ولم يعد مستعداً لفعل المزيد، اقله حتى موعد الانتخابات الاسرائيلية المقبلة».
نتيجة المتابعة
وفي أي حال، فإنّه نتيجة متابعة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع الجانب الأميركي، أفرجت إسرائيل عن الأسير اللبناني مالك كمال غازي (20 عاما)، والذي فُقد في منطقة عين عطا ـ راشيا في تشرين الأول 2025 أثناء خروجه لممارسة الرياضة، قبل أن تتكشف لاحقًا معلومات عن تعرّضه للخطف ونقله إلى إسرائيل.
وقد سُلّم المفرج عنه إلى الصليب الأحمر عند معبر الناقورة، ثم إلى الجيش اللبناني، ونُقل بعدها إلى مكتب مخابرات الجيش في ثكنة بنوا بركات في صور، ومنه إلى المستشفى لإجراء الفحوص الطبية.
وأعلن مصدر أمني تأجيل تسليم الأسرى الأربعة من الجانب الإسرائيلي إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، على أن تتمّ عملية التسليم عند الساعة 11 من صباح اليوم الجمعة. وبحسب المصدر، فإنّ الأسرى لبنانيان وسوريان، وهم: علي شور، حسين عياش، أسعد الحسيكة ووسام إبراهيم الصماوي. وأشار إلى أنّ أسماء هؤلاء لم تُدرج ضمن اللائحة التي سبق أن وزعتها هيئة الأسرى.
الخارجية الأميركية
وعلّق مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، على إطلاق إسرائيل 5 لبنانيين، وقال: «في عام 2006، دمّر «حزب الله» جنوب لبنان من خلال محاولته اختطاف إسرائيليين واحتجاز رفات بهدف مبادلتها بمحتجزين. أما اليوم، ونتيجة وساطة تقودها الولايات المتحدة بين حكومتين شرعيتين، فتُطلق إسرائيل سراح محتجزين، فيما يساعد لبنان إسرائيل على استعادة رفات يهود لبنانيين مفقودين». واضاف: «خلال الجولة الأخيرة من محادثات روما في آب، أجرت إسرائيل ولبنان محادثات ثنائية مباشرة تناولت قضايا مدنية مهمّة للجانبين. وقد استكمل السفير عيسى والسفير هوكابي ترتيبات إطلاق سراح المحتجزين خلال زيارة السفير عيسى إلى إسرائيل».