الاحداث- كتب النائب والوزير السابق بطرس حرب في صحيفة النهار يقول:"بالرغم من الألم الكبير الذي أصابني به مماته، وبالرغم من شعوري الشخصي بالخسارة التي لا تعوّض، قررت أن لا أنضمَّ إلى الكثيرين ممّن عبّروا عن حزنهم بفقده وعواطفهم النبيلة تجاهه، وأن أكتب وجعي لخسارته في محاولة صادقة للإضاءة على شخصية صديق عزيز، عايشته وخبرته وامتحنته، وتحالفت معه في مراحل، وخاصمته في أخرى، وخضت معه غمار ثورة الأرز ومخاطرها ونجاحاتها وإخفاقاتها، بقصد إيفاء هذا الرجل حقه في النبل والشرف والصدق والشجاعة والوفاء.
رغم العلاقة الطيّبة التي ربطتني بوالده، لم تبدأ علاقتي بفريد مكاري إلاّ عند دخوله عالم السياسة مع المرحوم الشهيد رفيق الحريري، إذ لم أتعرّف إليه في نشأته، وهو الذي تخصّص في الهندسة خارج لبنان، وعمل بعد ذلك في دول الخليج إلى جانب رفيق الحريري ، فكان من أصدق وأوفى وأنجح معاونيه، ما خلق بينهما تلك العلاقة الخاصة التي جعلته جزءاً من العائلة الحريرية، وجعلت من رفيق الحريري صديقاً مميّزاً
وإشبيناً لفريد في عرسه.
عرفته نائباً ووزيراً في كتلة الحريري، الذي كنت أعارض سياسته بشدّة، وخلافاً للكثيرين من رفاقه في تلك الكتلة، تمكّن فريد من فصل علاقته الاجتماعية والإنسانية بي، عن العلاقة السياسية، ونشأت بيننا علاقة شخصية من الودّ والتناغم والاحترام، تطوّرت مع الزمن، ولا سيما في زمن الشدائد والمخاطر، زمن محكّ الرجال الرجال.
في مرحلة الهيمنة السورية ،وخلال عام الـ 2000 والانتخابات النيابية بالتحديد، شاءت الظروف السياسية أن أتحالف إنتخابياً مع لائحة تضمّ تيار المستقبل الذي كان فريد مكاري مرشّحاً فيها وسليمان فرنجيه، وغيرهم، حين قرر الرئيس الحريري الإيعاز إلى مرشحيه على اللائحة بتشطيب إسمي لمصلحةأحد المرشّحين على اللائحة المنافسة، بهدف الحؤول دون إنتخابي والانتهاء من معارضتي لسياسته ،ومعاقبتي، ما دفع جميع مرشحيه إلى الانصياع لتوجهاته باستثناء فريد مكاري، وهو أقربهم إليه، الذي اعتذر عن تلبية طلب صديقه ورفيق عمره، لأنه يرفض الغدر بمن أعلن تحالفه معه والذي سيطلب إلى محازبيه تأييده، لمخالفته مبادئ الصدق في التحالف الانتخابي وإحترام عهد الوفاء المتبادل الذي تبادلناه عند تحالفنا، ما تسبّب بخلاف كبير ومقاطعة كاملة بينهما، مقاطعة لم تنتهِ إلاّ بعد أكثر من ستة أشهر بضغط كبير من كل من زوجتيهما .وما يُسجّل لفريد أنّه لم يطلعني على الأمر، أو يمنّنني بذلك، وقد عرفت بما جرى بين الرجلين لاحقاً وصدفة من أحد الأصدقاء المشتركين، علماً بأنّه لولا موقف فريد مكاري النبيل هذا لكنت خسرت إنتخاباتي، التي فزت فيها بفارق غير كبير مع منافسيّ.
فيوم خُّيِّر فريد مكاري بين صداقته والتزامه برفيق العمر وعدم الإضرار بمصالحه الشخصية والسياسية والمادية، وبين إحترام عهده وأخلاقيته والإيفاء بالالتزامه الأدبي والاخلاقي ، لم يتردد في تقديم موقفه الأخلاقي على طلب من كان أعزّ الناس اليه ، وهو ما يندر في العمل السياسي، ولا سيما في هذه الأيام البائسة التي يمرّ فيها لبنان، والتي غابت عنها القيم والأخلاق وإحترام الذات، وغلبت فيها الأنانية والمصالح الشخصية على كل ما عداها.
فريد مكاري مارس السياسة بكرامة وترفّع، وانتمى خلال عمله إلى فريق صديقه رفيق الحريري السياسي ،وكان مخلصاً له ومتفانياً لإنجاحه، لكنّه الأولوية لديه بقيت لكرامته وصدقيته، وقِيَمُه الأخلاقية التي تعلو كل الاعتبارات والمصالح، ما رفع من موقعه في نظري ونظر عارفيه .
بعد استشهاد الرئيس الحريري أصبح فريد مكاري أحد مداميك ثورة الأرز الأساسية، وتحوّل خلال تلك المواجهة إلى رمزٍ صامدٍ في وجه الإرهاب والتهديدات والاغتيالات، وإلى أحد أبرز قيادات 14 آذار وإلى عضوٍ فاعلٍ في مجلس قيادة ثورة الأرز المصغَّر ، الذي كان يواكب التطورات ويرسم كيفية مواجهة الأحداث ويقرر السياسة الواجب إتّباعها لاستكمال تحرير لبنان.
لم يخشَ فريد يوماً على حياته من خطر الاغتيال الذي كان يهدّد كل فرد منّا، فكان مثالاً للشجاعة والجرأة والحكمة، وهو ،وإن كان قليل الكلام ويكره المطالعات السياسية المطوّلة، كان له الكلمة الحسم في القضايا المطروحة، لأنّه لم ينطق يوماً إلاّ بالحقيقة ،وبما يخدم مصلحة لبنان بتجرّد كلّي عن المصالح الشخصية أو الفئوية.
يوم عطّل السلاح إنتخابات رئيس الجمهورية لفرض إنتخاب ميشال عون رئيساًبقوة التعطيل، رفض الخضوع للقوة، كما رفض التوقّف عند إعتبار الجيرة مع ميشال عون، فأبلغه أنّه مهما جرى، فإنّه لن ينتخبه. وبالفعل، يوم انعطف صديقه سعد الحريري، وقرّر إنتخاب ميشال عون، وطلب إلى نواب كتلة المستقبل التصويت له، تكرّر ما جرى عندما طلب إليه رفيق الحريري تشطيب إسمي في إنتخابات الـ ٢٠٠٠ ،وأبلغ سعد الحريري، الذي كان يعتبره بمثابة إبنه الروحي، أنّ ضميره لا يسمح له بانتخاب ميشال عون لأنّ إنتخابه سيسبّب تدمير لبنان، ورغم إلحاح سعد، لم ينتخب ميشال عون رئيساً.
يوم قرّر عدم الترشح للانتخابات النيابية ،رغم إلحاحنا عليه بالترشّح ،لم يعتزل الحياة السياسية ومواكبة الأحداث وإبداء رأيه فيها، وبقي ملتزماً بما يؤمن به، عاملاً لخدمة وطنه وشعبه، مشاركاً في النشاطات السياسية التي تعمل على تحقيق أهدافه الوطنية.
يوم علم أنه أصيب بمرض عضال قاتل، لم يستسلم، ولم يقبل بأن تشوّه الشكليات والمسايرات مراسم وداعه، ورفض مسرحية ترؤس أهل السلطة لها، أو مشاركتهم فيها، فأوصى بأن لا يُعلن موعد جنازته، وألاّ يُنعى الرسميون لئلّا يحضر من يعتبرهم مسؤولين عن إنهيار البلاد وإذلال شعبه، حرصاً منه على أن تكون جنازته بسيطة كحياته ،وأن تكون رسالةً وموقفاً وصورة صادقة معبّرة عن إقتناعاته السياسية، وأوصى أن تقتصر جنازته على مشاركة عائلته وأصدقائه، ما يجعله " فريداً " في مسلكه وصادقاً في مماته، كما كان طيلة حياته، يرفض الوجاهات التافهة والمظهريات الخادعة ودموع التماسيح.
فريد مكاري كان فارساً نبيلاً في ممارسته للسياسة ، يعبّر عن صدقه وإنسانيته بمواقفه، وكان " فريداً " في مماته وجنازته، التي أرادها موقفاً سياسياً ومناسبة حزن صادقة لأصدقائه وعائلته.
وبسبب ذلك ، قررت عدم الاسترسال في التعبير عن حزني وعواطفي الشخصية تجاه صديق أحببت واحترمت وأكبرت، وأن أذكر بعض المحطات في حياتنا السياسية المشتركة ليتذكّر الناس، كل الناس، القِيَم التي آمن بها فريد، والمناقبية التي طبعت حياته ،والصدقية التي كان ملتزماً بها، والشجاعة والجرأة التي تمتّع بها ،والشفافية التي تميّز بها ،والاستعداد للتضحية بالحياة في سبيل شعبه ووطنه، لعلّي بذلك أُكرّم فريد، وأقدّم حياته نموذجاً لما يجب أن يكون عليه السياسيون لكي ننقذ لبنان.
وأخيراً، وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، نادى فريد زوجته ووحيده نبيل، ليقول لهما ،أنّ المال والثروة تأتي وتغيب ، وأنّ الميت لا يأخذ معه من هذه الدنيا شيئاً، وأنّ المهمّ هو ما يترك الراحل من صيت وتراث بعد غيابه.
ارقد يا أخي فريد بسلام لأنّك ترحل لكنّ تراثك الإنساني باقٍ مدرسة للأجيال المقبلة.
فإلى أختي مهى وإبن شقيقي نبيل ،وإلى الشقيق مكارم والعائلة الكريمة، تعازيّي القلبية ودعائي بأن يلهمكم الباري نعمة الصبر والسلوان، وأؤكد لهم أنّه إذا غاب فريد جسدياً، فستبقى روحه وذكراه خالدة في ضمائر الناس وتاريخ لبنان.
بطــرس حــرب