Search Icon

مصالحة واشنطن والفاتيكان... الإيجابية تلفح لبنان

منذ 54 دقيقة

من الصحف

مصالحة واشنطن والفاتيكان... الإيجابية تلفح لبنان

الاحداث- كتب ألان سركيس في صحيفة نداء الوطن يقول:"لم يكن لقاء وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو مع قداسة البابا لاوون الرابع عشر ، مجرد محطة بروتوكولية في الفاتيكان، بل بدا أشبه بإعلان غير مباشر عن ولادة مرحلة سياسية جديدة ستطاول أيضًا الشرق الأوسط، عنوانها الانتقال من الحروب المفتوحة إلى التسويات الكبرى، ولبنان في قلب هذا التحوّل.

أتى اللقاء بعد مرحلة توتر بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والفاتيكان، على إثر السجالات السابقة في شأن ملفات الهجرة والحروب والهوية الغربية. لكنّ السياسة لا تعرف الخصومات الدائمة، وواشنطن التي تعيد رسم أولوياتها في المنطقة، تدرك أنّ الفاتيكان يبقى شريكًا معنويًا أساسيًا في أي مشروع استقرار طويل الأمد في الشرق.

ومن هنا، لم يكن لبنان بعيدًا عن هذا التقاطع الأميركي – الفاتيكاني المتجدد. فالكرسي الرسولي ينظر إلى لبنان كآخر مساحة عيش مشترك مسيحي – إسلامي في الشرق، فيما تعتبر واشنطن أنّ استقرار لبنان بات جزءًا من إعادة تكوين المشهد الإقليمي، بعد حرب غزة والتبدلات السورية والإيرانية.

وفي الكواليس الدبلوماسية، برزت بوضوح عودة الحديث عن "السلام الواقعي" في المنطقة، لا السلام النظري. أي الانتقال من إدارة النزاعات إلى محاولة إقفالها تدريجيًا، بدءا من الحدود الجنوبية للبنان.

ولم تكن زيارة البابا إلى لبنان قبل أشهر حدثًا عاديًا. يومها أطلق عبارته الشهيرة: "طوبى لصانعي السلام". لكنّ الرسالة لم تكن روحية فقط، بل حملت أبعادًا سياسية واضحة. فالفاتيكان كان يوجّه إشارة إلى أنّ لبنان دخل مرحلة مختلفة، وأنّ المجتمع الدولي يريد إعادة وضعه على سكة الاستقرار بدل إبقائه صندوق بريد للحروب الإقليمية.

بعدها مباشرة، عيّن رئيس الجمهورية جوزاف عون السفير كرم مفاوضًا مدنيًا ضمن "الميكانيزم". خطوة مرّت بهدوء في الداخل، لكنها التُقطت سريعًا في الخارج، وخصوصًا في واشنطن، على أنّها مؤشر إلى استعداد الدولة اللبنانية للانتقال من مرحلة إدارة الاشتباك إلى مرحلة تنظيم التفاوض، ولو تحت سقف أمني وتقني في البداية.

وتذكر مصادر متابعة، إنّ الإدارة الأميركية لم تعد تبحث في ما إذا كان لبنان سيدخل مسار التسوية والسلام، بل متى وكيف. فواشنطن تعتبر أنّ أي اتفاق تهدئة طويل الأمد على الجبهة الجنوبية، سيشكّل مدخلا لإعادة تركيب الدولة اللبنانية وإنعاش الاقتصاد وفتح الباب أمام الاستثمارات والمساعدات الدولية.

وفي هذا المشهد، تبرز بكركي كلاعب أساسي يقف مع الدولة والسلام. فالصرح البطريركي الذي حافظ تاريخيًا على علاقته العضوية مع الفاتيكان، نجح أيضًا في بناء شبكة تواصل متينة مع واشنطن. ولم يكن كلام السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى من بكركي تفصيلًا عابرًا، حين أكد دعمه للبطريرك ولمواقف الصرح السيادية.

وتكشف معلومات خاصة، أنّ التواصل بين قصر بعبدا والفاتيكان بات شبه يومي في المرحلة الأخيرة، وخصوصًا عبر السفير البابوي باولو بورجيا الذي يتابع بدقة تفاصيل المستجدات اللبنانية والإقليمية. وتشير المعلومات إلى تقاطع أميركي – فاتيكاني واضح في شأن أولوية تحييد لبنان وحماية القرى المسيحية في الشريط الحدودي الجنوبي، ومنع تكرار مشاهد التهجير والدمار التي شهدتها المنطقة في الأشهر الماضية. وبحسب مصادر دبلوماسية، فإنّ هذا الملف بات جزءا أساسيًا من أي نقاش دولي يتعلق بمستقبل الجنوب اللبناني وترتيباته الأمنية المقبلة.

فالرسائل الأميركية من بكركي بدت واضحة: دعم الدولة، حماية الصيغة اللبنانية، وتشجيع أي مسار يعيد تثبيت الشرعية والمؤسسات. وتدرك واشنطن أنّ بكركي تبقى إحدى أبرز المرجعيات القادرة على ضمان غطاء وطني لأي انتقال سياسي كبير، قد يشهده لبنان في المرحلة المقبلة.

في المقابل، يعرف الفاتيكان أنّ سقوط لبنان في الفوضى يعني خسارة آخر نموذج للتعددية في الشرق. لذلك، تبدو المصالحة بين واشنطن والفاتيكان أبعد من مجرد إعادة دفء دبلوماسي، بل أقرب إلى شراكة سياسية غير معلنة تؤثر لاحقا على لبنان وتدفعه نحو مرحلة جديدة.

القطار انطلق. أما السؤال الذي يشغل الأوساط السياسية في بيروت، فهو: هل يقرر لبنان الصعود إلى قطار التسوية، أم البقاء مجددًا على رصيف الانتظار؟