Search Icon

مسوّدةُ فصلٍ أوّل من سِفْرِ اللعنةِ اللبنانيّ غيرِ المكتوب

منذ 5 سنوات

من الصحف

مسوّدةُ فصلٍ أوّل من سِفْرِ اللعنةِ اللبنانيّ غيرِ المكتوب

الأحداث - كتب عقل العويط في صحيفة النهار يقول : وعندما وجد شكسبير أنّ مسرحيّاته ستبوء في لبنان بالفشل، إذا عُرِضتْ، حرفيًّا أو اقتباسًا أو تحريفًا وتأويلًا، وأنّ عبقريّته في هذه الأعمال الخالدة لن تطال "الأنجما" اللبنانيّة، أوعز إلى أحد تلامذته ومريديه أنْ يكتب في جماعة أهل السياسة والسلطة والحكم والفساد الأخلاقيّ عندنا "مسوَّدةً" أوّليّةٌ لفصلٍ أوّل في سِفْر اللعنة اللبنانيّ غير المكتوب. وهي "مسوّدةٌ" لن يأخذ بها شكسبير على أيّ حال، ولن تُنشَر، ولن توضعَ موضعَ تنفيذ، بل تُكتَب فقط على سبيلِ التمرين والمقاربة والتجربة والاختبار.
"... وستهترئون اهتراءً بطيئًا ولزِجًا، كما يهترئ السماسرةُ بأسنانهم الصفراء المسوّسة، تحت شمس الظهيرة في آب. وكمهرِّبين ستتنقّلون تحت جنح العبث الخسيس، على الطرق الوعرة، وفي دهاليز القصور والسرايات وأروقة المخابئ، وستتفكّكون كأعضاءٍ اصطناعيّةٍ من النوع الرخيص، مُصَدَّرةٍ في أزمنةِ النذالةِ والتهريب من دولِ الثعابينِ المتغطرسة، وستتخمّرون في مزيجٍ احتفاليٍّ وهستيريٍّ من النفاياتِ الصلبةِ وتلك المُعادِ تدويرُها، وآنذاك ستتبادلون الأنخابَ المسمومةَ بسعادةِ الحشراتِ وحشرجاتِ الأيدي الملوّثة بالصفقات الكريهة.
وأجسامُكُم المغبوطةُ ستفوح بدبيبِ الصدأِ الجينيّ، وبالجنزارِ المريض، وهي وطاويطُ أرواحُكُم والعقول، وستنزُّ كتفّاحاتٍ متهرّئةٍ ومدوّدة، وكمزاريبَ من العَرَقِ المقزِّز، ستتصبّب، وستسيل من عيونِكُم وأنوفِكُم وأفواهِكُم ومؤخّراتِكُم، ومن تحت آباطِكُم، ومن على صلعاتِ رؤوسِكم التي تلمع كصنوجٍ فارغة. 
وسجاياكم السيّئةُ الذكر ستُنجِب مسوخًا ومستنقعاتٍ ومراحيضَ آسنةً، لكنّك ستنظرون في مراياكم النرسيسيّة فتقولون ما أطيبَنا وما أجملَنا. وستُعيدون الكرّةَ مردِّدين مهلِّلين: ما أطيبَنا وما أجملَنا. إلى أنْ تصيروا مرايا للمرايا، وتصيرَ المرايا على التوالي مسوخًا ومستنقعاتٍ ومراحيضَ تفيض في كلّ مكان، ويستطيبها (هل أقول؟!) كلُّ مكان، و(هل أقول؟!) أهلُ كلِّ مكان!
وستصفون أنفسكم بأنّكم دودٌ حالمٌ وجمٌّ وغفير. وستأكلون ديدانَكُم بشهواتٍ علنيّةٍ كثيفة، وستأكلكم ديدانُكُم بسعادةٍ مرموقةٍ وبمرونةٍ فائقة. ولن هي تشبع، ولن أنتم تشبعوا. وديدانُكُم هي دونَ الدودِ والدون، وهي أصنافٌ وأرتالٌ وأسرابٌ ومراتبُ من الأنواعِ والأشكالِ الزحّافةِ جدًّا والمُرفرِفةِ جدًّا والمُنتِنةِ جدًّا والوضيعةِ جدًّا والحقيرةِ جدًّا، تتزاوج بخلاياها الممروضة، وتتكاثر بذواتها البهيميّة، ومن تلقائها، وتشيع، وتنتشر في الأرجاء، وفي النفوس، كحقباتٍ لعينةٍ، وكأوبئةٍ مميتة. 
وملعونةٌ أوعيتُكم الدمويّةُ وأجهزتُكُم العضويّةُ ومكوِّناتُكُم الجينيّة. وملعونةٌ رؤوسُكُم وأحذيتُكُم. وملعونةٌ معاجنُكُم ومخابزُكُم. وملعونةٌ أرغفتُكُم وصحونُ طعامِكُم. وملعونةٌ مآكلُكُم ومشاربُكُم. وملعونةٌ لياليكُم ونهاراتُكُم. وملعونةٌ قصورُكُم وكراسيكُم. وملعونةٌ أفعالُكُم وسلالاتُكُم. وملعونةٌ مواكبُكُم ومجالسُكُم. وملعونةٌ مخادعُكُم وأسرّتُكم. وملعونةٌ نجاساتُكُم وأرواحُكُم. وملعونةٌ أحزابُكُم وتيّاراتُكُم وميليشياتُكُم. وملعونةٌ كنوزُكمُ وصهواتُ خيولِكم وبقاياكم وبذورُ أجنّتِكم، وملعونٌ كلُّ مَن ينتمي إليكم ويلوذ بكم في الأوطان والمهاجر، فوقَ الأرض، وتحتَ الأرض، وفي الأوجار والأوكار، وحيث لا يصل افتراضٌ ولا يرقى خيال.
وسيكون لا غنىً عنكم حيث يجب أنْ يُحتفى بالمنقرضات المتناسلة، وبالمسوخ المتوارَثة، وبالأنذال والجواسيس والعملاء والخَوَنة، في الزنازين والسجون والأقبية، وحيث تُرفَع الأقواسُ لعقدِ المحاكمات العلنيّة الجهيرة التي تُختَم قراراتُها الرحيمةُ والسعيدةُ الذكر بالشمع الأحمر، وتُنشَر في كلّ مدينةٍ وصقعٍ ودسكرة، وتُلصَق في الساحاتِ العامّة، وعلى جدرانِ البيوت، وفوق الشرفات، وعند أبواب الغابات وعلى مشارف الرمال الغابرة والمطامر والمقالع والمصانع ودوائر البورصة، وذلك كلُّهُ بحسب الأصولِ المعمولِ بها، والسُّبُلِ المُتعارَفِ عليها، وحيث تُنفَّذ مضامينُها بالحذافير، سحلًا مهيبًا، وفوق كراسي الكهرباء، وعلى أعواد المشانق، وشيًّا، وشنقًا، ورميًا في الساحات بين أشداق الكواسر والوحوش، وجندلةً بالرصاص، وتجويعًا، وتعطيشًا، وحيث لا موطئ إلّا لأبالسة الجهنّمات الحقيقيّة والافتراضيّة".
نظر التلميذُ والمريدُ الشكسبيريّ في "مسوّدته" الأوليّة، فلم يعثر فيها على ما يثلج الفؤاد ويسرّ الخاطر، ولم يشأ أنْ يرسلها إلى معلّمه لئلّا يُصاب معلّمه بخيبة الأمل. وأمام هذه الفداحة العاهرة غير المسبوقة، وغير القابلة للوصف، صرخ التلميذ، مخاطبًا هؤلاء المنقرضات الألفيّة: مَن أنتم مَن أنتم؟ ومِن أيِّ جبلةٍ جُبِلْتُم، ومن أيِّ طينةٍ طُيِّنْتُم؟ وسأل على التوالي، وفي كلّ موضعٍ ومكان، سأل – عن هؤلاء - أهلَ العقل والعدل وأهلَ الجنون وأهلَ المجون وأهلَ الفسق وأهلَ الخيال والمنجّمين والسَّحَرةَ وضاربي المندل وقارئي الغيب، وسأل مَن يكون هؤلاء مَن يكون هؤلاء، ولا أحد ارتفع إلى مستوى الجواب.
وخاطب المريدُ نفسه: هل عبثٌ ما أقولُهُ وألعنُهُ؟ هل عبثٌ ما يُشتهى لآثامِ هؤلاء الحكّام والساسة والقوّاد والقادة من مصائرَ، أقلّ ما ينبغي أنْ توصَفَ بها، بأنّها دون ما يستحقّون؟ وهل لا جدوى من هذا كلّه، لأنّ هؤلاء أقدارٌ أقوى من الأقدار، ولعناتٌ أفدح من اللعنات؟ وهل سيظلّون ينجِبون أنفسَهُم بأنفسِهم، ولن تتمكّن منهم ألسنةُ نيران، ولو أُشعِلتْ وأُضرِمتْ وأُجِّجَتْ بفِتَنِ الاختراعات وغوايات الأمونيوم والنيترات والنفطِ والغازِ وسائرِ الموادِّ السريعة الاشتعال؟ 
وقال لنفسه: هل يجب أنْ أستعين بكتب التعاويذ والخرافات والأساطير، بحثًا عن الصنوِ والمثيل، حيث لم أعثر لهؤلاء على نماذجَ مماثلةٍ وبيّنةٍ، في التواريخ والأزمنة، وذلك كلُّهُ، رغبةً في وأد الأصل الأصيل، واستئصالًا له، ومنعًا للتسرّب وللتكرار، ولئلّا يكونَ بعضُهُ الناجي مدعاةً في أحد الأيّام للتوالد والتناسل؟
وختم التلميذ الشكسبيريّ المريد سائلًا: أيجب أنْ تُعييني الأجوبةُ الشافية، فأصرخ صرخةَ العاثرِ المستجير: ألعنةً – أنتم - لُعِنَها لبنانُ، لم تُكتَب بعدُ في سِفْرٍ، ولم تُسَجَّل - بعدُ - في رؤيا؟
ولم يشأ المريد أنْ يختم "مسوّدته" الأوليّة يائسًا على طريقة اليائسين، فصحّح الخاتمة بالقول: ما من لعنةٍ إلّا ستلعن نفسَها بنفسها، وتدمّر نفسَها بنفسها. والآتي قريبٌ أو بعيد!
======