الاحداث- كتب أنطونيو الهاشم
في ليلة عيدكِ، يا مريم، يبدو الكون كلّه كأنّه قد خفّض صوته إجلالاً، وأشعل نجومه شموعاً حول عرشكِ. تجلسين فوق الغمام، متوَّجةً بالنور، ينساب رداؤكِ الأزرق كسماءٍ ثانية تحتضن الأرض، ويحيط بكِ الملائكة كما تحيط التراتيل بسرٍّ لا تستطيع الكلمات أن تبلغه.
غير أنّكِ، وأنتِ على عرش الكون، لا تنظرين إلينا من علوّ الملوك، بل تنحنين نحونا بتواضع الأم .رأسكِ مطأطأ، ويداكِ مضمومتان بالصلاة، كأنّكِ ما زلتِ تلك الفتاة الوديعة في الناصرة، تسمعين نداء السماء وتجيبينه بكلمة غيّرت وجه التاريخ: «ليكن لي بحسب قولك».
تاجكِ ليس تاج سلطانٍ أرضي، وعرشكِ ليس عرش قوّةٍ أو جبروت .إنّه عرش المحبّة التي لا تُخضع أحداً، بل تضمّ الجميع. عظمتكِ أنّكِ، كلّما ارتفعتِ، ازددتِ انحناءً على المتألّمين. وكلّما اقتربتِ من السماء، ازددتِ قرباً من المنكسرين على الأرض.
في ليلة انتقالكِ إلى السماء، نراكِ صلةً بين التراب والأبد، وسلّماً من نور تصعد عليه صلواتنا وتعود إلينا رحمةً ورجاءً. نضع عند قدميكِ خوفنا وتعبنا، دموع الأمهات، قلق الآباء، ضياع الشباب، أوجاع المرضى ووحشة الذين غاب عنهم الأحبّة. نضع لبناننا الجريح، ببيوته وكنائسه و مساجده وأرزاته، ونقول لكِ لا تتركي هذا الوطن الذي اتّخذكِ أمّاً ورفع اسمكِ فوق جباله ووديانه.
يا سيّدة السماء وملكة السلام، ابسطي رداءكِ الأزرق فوق عالمٍ أتعبته الحروب، وأعيدي إلى القلوب قداستها، وإلى البيوت طمأنينتها، وإلى الأوطان ضميرها. علّمينا أن تكون القوّة تواضعاً، والعظمة خدمةً، والإيمان ثباتاً حين تضيق الدروب.
في ليلة عيدكِ، لا نرفع أعيننا إلى عرشكِ لنراكِ بعيدة، بل لنشعر أنّ لنا في السماء أمّاً .أمّاً لا تنام عن وجع أبنائها، ولا تردّ قلباً احتمى بها. فكوني لنا، يا مريم، نجمةً في ليالي الحيرة، ويداً عند السقوط، وباباً إلى ابنكِ، ونوراً يقودنا، بعد تعب الأرض، إلى فرح السماء.
كلّ عام وأنتِ أمّنا، وملكتنا، ورجاءنا الذي لا يخيب.