الاحداث- قال رئيس حزب حركة التغيير المحامي ايلي إنّ مشهد تهدّم الأبنية المتصدّعة في طرابلس ليس حادثاً مفاجئاً أو قدراً لا يمكن تجنّبه، بل نتيجة مسار طويل من الإهمال المؤسسي والتخبّط السياسي وغياب الرؤية العمرانية المستدامة. لسنوات، حذّر المهندسون والخبراء من خطورة الأبنية القديمة المتروكة دون صيانة أو رقابة، فيما بقيت الإجراءات الرسمية محدودة وردّات الفعل مؤجلة إلى حين وقوع الكارثة. هذا الواقع يعكس خللاً بنيوياً في إدارة ملف السلامة العامة، حيث تتداخل المسؤوليات بين البلديات والوزارات المعنية دون آليات واضحة للمحاسبة أو التنفيذ الفعلي.
وقال محفوض في حديث عبر محطةmtv اليوم
انه من المنظور النقابي، لا يمكن فصل مسألة انهيار الأبنية عن دور النقابات المهنية، ولا سيما نقابتي المهندسين والمقاولين، في الدفع نحو تحديث أنظمة الكشف الفني الدوري وفرض معايير صارمة لسلامة المنشآت. إنّ حماية الأرواح مسؤولية مشتركة تتطلب تعزيز استقلالية الخبرة التقنية عن الضغوط السياسية أو الاعتبارات الزبائنية، بحيث تصبح التقارير الهندسية مرجعية ملزمة لا توصيات قابلة للتجاهل. كما ينبغي تطوير برامج تدريب ومراقبة مستمرة تضمن التزام المعنيين بأعلى معايير الجودة والسلامة.
أمّا سياسياً، فإنّ الأزمة تكشف مرة جديدة أثر الشلل في مؤسسات الدولة، حيث تغيب السياسات الإسكانية الوقائية وتحضر المعالجات المؤقتة بعد وقوع الضرر. المطلوب ليس الاكتفاء بإعلان التعويضات أو تشكيل لجان تحقيق موسمية، بل إطلاق خطة وطنية شاملة لمعالجة الأبنية المتصدّعة في المدن اللبنانية، تبدأ بمسح شامل وشفاف، مروراً بتأمين التمويل لإعادة التأهيل أو الإخلاء الآمن، وصولاً إلى توفير بدائل سكنية تحفظ كرامة السكان ولا تضعهم أمام خيار البقاء في الخطر أو التشرد.
إنّ النقابات المهنية مدعوّة إلى لعب دور أكثر جرأة عبر الضغط المؤسساتي والتوعية العامة، فيما تقع على القوى السياسية مسؤولية تحويل هذا الملف إلى أولوية فعلية تتجاوز الحسابات الضيقة. فسلامة الناس ليست ملفاً تقنياً فحسب، بل قضية عدالة اجتماعية وحق أساسي في مدينة آمنة ومنظمة. إنّ أي تأخير إضافي في اتخاذ إجراءات جدية سيحوّل الكارثة من حادث متكرر إلى واقع دائم، وهو ما يستدعي إرادة سياسية واضحة وشراكة حقيقية بين الدولة والنقابات والمجتمع المدني لوضع حدّ لهذا النزيف العمراني والإنساني
في النهاية، لم يعد مقبولاً التعامل مع انهيار الأبنية كأخبار عابرة أو كوارث موسمية تُستثمر إعلامياً ثم تُنسى. المسؤولية سياسية بامتياز، لأنّ الإهمال ليس صدفة بل نتيجة خيارات وسياسات وتأجيل متعمّد للمعالجات الجدية. كل تأخير في اتخاذ قرارات واضحة يعني عملياً القبول الضمني بالمخاطر التي تهدّد حياة الناس. المطلوب انتقال جذري من سياسة ردّ الفعل إلى سياسة المحاسبة والوقاية، حيث تُسمّى المسؤوليات بأسمائها وتُربط الصلاحيات بالمساءلة الفعلية لا بالشعارات. فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها داخل منازلهم تفقد جزءاً من شرعيتها، وأي سلطة لا تجعل السلامة العامة أولوية قصوى تتحمّل سياسياً وأخلاقياً تبعات كل انهيار جديد