الأحداث - كتب ابراهيم بيرم في صحيفة النهار يقول : وفق ما هو مقرر مبدئيا، (وما لم يحل قطع الطرق دون ذلك)، سيقوم اليوم وفد اللجنة التي سبق لقيادة "حزب الله" ان سمّتها برئاسة الحاج محمد الخنسا (ابو سعيد) وعضوية مصطفى الحاج علي بزيارة الصرح البطريركي للاجتماع الى لجنة موازية برئاسة المعاون البطريركي المطران سمير مظلوم وعضوية الامير حارس شهاب، وهي التي كلفها البطريرك مار بشارة بطرس الراعي منذ زمن مهمة المضي في رحلة "تشاور وتنسيق المواقف وتدوير الزوايا" بين الصرح بما يمثل تاريخا وحاضرا، وبين الحزب بما له من وزن وحضور سياسيين.
إنه حدث استثنائي ومميز بكل المقاييس والمعايير لجهتي الزمان او المكان والوجه الاستثنائي والسمة المميزة له، يتأتى، وفق مطلعين على مراحل سير الجهود الحثيثة التي بذلت لبلوغ هذه المحطة، من بُعدين:
الاول لصيق بالتطورات الاخيرة المبنية على مشهد السبت ما قبل الماضي في فناء الصرح التاريخي، وتحديدا عندما وفدت اليه حشود من مختلف المناطق تلبي نداء اطلقته المرجعية المسيحية الاولى في لبنان، لاظهار التأييد والدعم لشعار رفعته هذه المرجعية ودعت فيه الى مؤتمر دولي يتعين انعقاده في اسرع وقت بغية ايجاد حل للازمة المستعصية في لبنان. ولم يعد جديدا الاشارة الى ان هذه الدعوة والحراك الذي انبنى عليها أثار استرابة الحزب والمحور الذي يشكل هو قطب الرحى فيه. وما زاد منسوب هذه الاسترابة هتافات اطلقتها تكرارا حناجر جمع من المحتشدين فحواها "ان حزب الله ارهابي".
ومع ان رموز الحزب المعنية اعتصمت حينها بالصمت، الا ان واقع حراك بكركي من ألفه الى يائه استدرج لاحقا مزيدا من الاحتقان والتوتر، ووضع البلاد امام احتمالات شتى مفتوحة، لاسيما بعد صدور موجة من ردود الفعل المتبادلة عبر سجال ممتد وفَّر ارضية خصبة لازمة سياسية مضافة لا يمكن غض الطرف عن نتائجها.
الثاني، ان اللقاء المرتقب اليوم بين اللجنتين في احدى قاعات الصرح البطريركي هو الاول من نوعه منذ اكثر من اربعة اعوام. فمن المعلوم انه مذ زار البطريرك الراعي الاراضي الفلسطينية المحتلة انقطعت لجنة الحزب عن الحضور وفق المعتاد الى بكركي لاستكمال مهمة التواصل والتنسيق مع اللجنة المقابلة.
وقد سرى حينها ان هذا العزوف والتمنع ينضح بتعبير احتجاجي غير معلن على الزيارة التي انجزها الراعي تحت لافتة زيارة رعوية للاراضي المقدسة، خصوصا ان الحزب كان لفت البطريرك بشكل غير مباشر الى موقفه وما ينطوي عليه من مخاطر وشبهات.
وعلى رغم ان الحزب لم ينقطع عن التوافد الى الصرح في مناسبات بروتوكولية للتهنئة بالاعياد والمناسبات الدينية او للتعزية بالبطريرك السابق صفير، الا ان البطريرك الراعي تحدث في مناسبات اعلامية صراحة عن ان الحزب يتعمد مقاطعته، وهو بذا كأنه يرمي الحجة على الحزب من خلال الايحاء بانه غير راض عن هذا السلوك من جانبه كونه ينطوي على موقف سلبي.
وعليه، فان السؤال المطروح هو: ما الذي دفع الحزب اخيرا الى مغادرة قرار مضمراتخذه سابقا بخفض مستوى العلاقة التي تربطه ببكركي وقصرها على مناسبات بروتوكولية، علما انه كان ابدى ارتياحا لقرار البطريرك الراعي بفتح ابواب الصرح لرموزه القيادية بعد طول قطيعة ابان ولاية سلفه؟
لاريب ان ثمة جهودا استثنائية بذلها خلال الايام القليلة الماضية اصدقاء مسيحيون للحزب بين الطرفين ابقت قنوات التواصل قائمة وفعلت فعلها في تكريس واقعتين اثنتين:
الاولى، مبادرة البطريركية المارونية الى خطوات متدرجة لامتصاص سورة غضب الحزب وجمهوره من مشهد الهتافات العدائية المنطلقة في فناء الصرح. وتجلت هذه المبادرة باعلان شخصيات تُدرج في عِداد الدائرة السياسية الضيقة المحيطة بالراعي عدم رضا سيد الصرح عن هذه الهتافات، وانها لا تعبّر الا عن وجهة مطلقيها فحسب.
والثانية، حرص سيد الصرح نفسه على اطلاق اكثر من تصريح وتوضيح لمضمون خطابه يوم السبت، ينفي فيه ان يكون قاصدا النيل من الحزب، وان يكون الحزب عينه معنيا بدعوة الراعي الى التدويل.
واذا كان ثمة من يعتبر ان البطريركية قد اختارت عن وعي وحكمة اسلوب التهدئة والاستيعاب، فان الحزب قد جنح استنادا الى هذه المبادرة الطيبة من بكركي ليقرر الجنوح الى اعادة احياء قنوات التواصل الرسمي والسياسي مع بكركي، تحت وطأة حسابات واعتبارات مستجدة املت عليه قرار المضي في هذا السلوك. وعليه يتبدى جليا ان الحزب يذهب مضطرا الى معاودة التحاور مع البطريركية المارونية بعد طول انقطاع وقطيعة لانه استشعر امرا واستشرف امرا آخر.
اما ما استشعره فمنطلقه تحولات سرت في عمق المشهد الداخلي املت على الحزب التبديل والمرونة في امور كان يعتبرها ثوابت، لاسيما بعد انطلاق الحراك الشعبي عام 2019 وما اعقب ذلك من اهتزاز الاستقرار وتخلخل المعادلات.
وأما ما استشرفه فهو ان الحراك الذي قادته البطريركية قد نجح الى حد ما في سحب القرار السياسي المسيحي الى حضنها وهو ما افقد حليفه في الرئاسة الاولى وفي "التيار الوطني الحر" اوراق قوة كانت متجمعة بين يديهما حتى الامس القريب. والحزب بذا يمارس نوعا من البراغماتية السياسية لاستيعاب تداعيات تطورات وتحولات.
ان اللقاء المزمع اليوم في بكركي يلبي في العمق حاجة البطريركية الى استيعاب تداعيات خطوتها، وحاجة الحزب الى خفض منسوب توتر وشحن عاشتهما قاعدته واوشكت احيانا ان تفقده اتزانه وانضباطه، الى حاجة اصيلة له في عدم القطع مع مرجعية بحجم بكركي ومكانتها.
انها بايجاز عملية جس نبض يجريها فريقا اللقاء اليوم. فالحزب ينتظر نتائج هذا اللقاء ليبني على اساسه الخطوة التالية، في حين ان سيد الصرح ينتظر ان يسمع من الوفد الزائر جديدا ينطوي على عناصر اطمئنان وثقة حاضرا ومستقبلا.
=====