الاحداث- كتب راغب جابر في النهار العربي يقول:"ماذا يضير الرئيس ميشال عون لو خرج الى اللبنانيين بخطاب مختلف عن خطابه القتالي المستمر بالنبرة نفسها والنسق نفسه منذ ثلاثة وثلاثين عاماً، عندما سلمه الرئيس المغادر أمين الجميل رئاسة حكومة عسكرية مبتورة، قاد من خلالها حروب التحرير والإلغاء، وانتهى منفياً في باريس.
منذ ثلاثة وثلاثين عاماً وميشال عون يخوض حروبه متنقلاً من جبهة الى جبهة، لا يكل ولا يمل، بعقلية العسكري الذي لا يريد غير النصر. الشهادة غير واردة، لأن النصر هو نصر شخصي أولاً وأخيراً. لا نصر مفيداً إذا كان مقابله الشهادة. النصر هو "الأنا" و"الأنا" تناقض الشهادة، لأن الشهادة تكون من أجل مجد الآخرين.
ميشال عون الذي وصل الى أقصى طموحاته وأحلامه القديمة، رئاسة الجمهورية اللبنانية، متكئاً على انقسام سنّي – شيعي إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري وعلى خروج السوريين من لبنان - مطلبه الأثير - ولاعباً على تناقضات الإقليم وانعكاساته الداخلية، لا سيما منذ بداية الحرب السورية عام 2011 وتطور الوضعين العراقي والفلسطيني وحتى اليمني، ميشال عون الرئيس لم يغادر مقعده العقلي في زعامة ما سُمّي بـ"العونية" السياسية، رغم إطلاقه على جسمها التنظيمي تسمية "التيار الوطني الحر".
مكث عون في أفكاره القديمة محاولاً دعمها وتبريرها بنظرية من هنا وبفكرة من هناك. لكنها كانت كلها تصبّ في الدائرة الطائفية نفسها. من نظرية تحالف الأقليات الى المسيحية المشرقية الى المشرقية الشاملة، وفي كل ذلك كان يبتعد عن السياق التاريخي للبنان العربي ويقترب من المحور الممانع بزعامة إيران. بقي الجنرال الذي أصبح رئيساً مأخوذاً بوهج القوة وسلطانها. هو الوحيد القوي الذي يضع نفسه دائماً في موضع القادر الحاسم الحازم. لقد أراد لبنان قوياً على صورته، ووضع نفسه في مصاف القوى الإقليمية الفاعلة، وذهب ليقترح تزعم حوار حضارات عالمياً. لكن الوقائع والحقائق لم تخدم ميشال عون أبداً.
في عهد ميشال عون "القوي"، سقطت هيبة الدولة، انهارت العملة الوطنية، وصل اللبنانيون الى حد الجوع والفوضى العامة، ذهبت الأخلاق وتلاشت القيم وانقطع الحوار بين الزعماء المختلفين على كل شيء، من شكل الحكومة وأسماء وزرائها، الى تعيين دركي ومساعد جندي ومأمور أحراج. سُدّت كل الأبواب أمام البلد المنكوب، وبات رئيسه القوي حبيس القصر الرئاسي، لا يكاد يبرحه إلا نادراً ولمناسبة اجتماعية أو بروتوكولية.
هذا توصيف للواقع، ويقتضي المنطق القول إن ميشال عون ليس المسؤول عن كوارث البلد. المسؤولية تراكمية جماعية، ولكل من شارك في حكم البلد منذ ثلاثين عاماً، ومنهم عون وجماعته، نصيب من المسؤولية. والحديث هنا عن عون لسببين: أولاً أنه رأس الدولة المؤتمن والوحيد المقسم على الدستور بحفظ البلد، وثانياً لأن أزمة تأليف الحكومة التي تدمّر البلد هي أزمته، أو أزمة صهره جبران باسيل، خاصة، من دون إعفاء الآخرين. وفي هذه الحالة مسؤولية ميشال عون مضاعفة وعليه وحده يتوقف مصير الحكومة، وربما البلد والقرار الكبير مطلوب منه أولاً.
ماذا لو قرر عون تغيير مسار الحركة السياسية اللبنانية كلياً؟ ماذا لو قرر تغيير نمط تفكيره الصراعي القديم وانتقل الى نمط جديد أكثر مرونة وأقل حدة؟ لم يجرب ذلك ربما. لماذا لا يجربه الآن؟ خلال الخمسة عشر عاماً فشلت نظريات القوي في طائفته، أو بالأحرى يجب أن تسقط، وتحالف الأقليات، ونسبية المحاصصات، وتقاسم الأختام .... فلماذا لا تبدأ الثورة من فوق بعدما فشلت من تحت؟
ماذا يضير ميشال عون لو أطل غداً من شرفة قصر بعبدا وخاطب اللبنانيين بقوله: يا شعب لبنان العظيم، لقد وعدتكم بلبنان قوي ومزدهر لا فساد فيه ولا محسوبية ولا محاصصة وسأفي بوعدي (من دون بدعة ما خلوني). لقد وعدتكم بأن أكون "بي الكل" وها أنا أعلن أني "بي الكل" من دون تمييز بين ولد وآخر.
ماذا يخسر ميشال عون إذا تخلى خلال ما تبقى من رئاسته، وهو يطل على التسعين من عمره، عن سياسة شد العصب والأعصاب معاً. ولماذا لا يكون رئيس الجمهورية هو المبادر الى فك حالة الاحتقان القائمة بسبب الخلاف على ربع وزير أو نصف مدير؟
بين الخراب ولبنان، لماذا لا يحسم الرئيس موقفه ويعلن بقوة أنه فعلاً القوي، والقوي لا يحتاج لا الى أثلاث معطلة ولا الى وزارات بعينها، ولا الى ضمانات مستقبلية لعائلته وحزبه، ولا الى مساومات على الرئاسة المقبلة وضمانها لصهره؟ ليقل الرئيس أنا الرئيس ولا أريد شيئاً لنفسي بل للبنان، وكل اللبنانيين سواسية، وما أريده للمسيحي أريده للمسلم، وحقوق هذا من حقوق ذاك. أنا رئيسكم جميعاً ولكم مني أن أكون عادلاً ومنصفاً وحيادباً وإني لكذلك.
في أصول الرئاسة والقيادة، الرئيس هو القائد وهو القدوة فليفك الرئيس العقدة، وليتجرأ الآخرون على عدم الإقتداء به. من سيجرؤ على العناد والتمسك بما يعتبره حقوقاً طائفية "مقدسة" عندما يقول الرئيس إن هذا الأسلوب في المحاصصة يدمّر لبنان.
أكثر من ذلك، لماذا لا يصارح الرئيس اللبنانيين بأن النظام الطائفي سقط نهائياً ولا بد من نظام علماني، وأنه سيعمل في هذا الاتجاه مهما كانت المواجهة صعبة، فيكون له شرف المحاولة وتحفظ له الأجيال ذلك.
لن يفعلها ميشال عون. ولن يفعلها، ربما، أحد غيره من هذه الطبقة. لكن ماذا إن فعلها؟